للصحابة : ألا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن الروم ستغلب . فخاطرهم أبو بكر رضي اللّه عنه بإذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما حقق اللّه صدقه وجاء أبو بكر رضي اللّه عنه بما قامرهم به قال عليه الصلاة والسلام : هذا سحت ، فتصدق به . وفرح المؤمنون بنصر اللّه ، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار .
شرح
سَيَغْلِبُونَ[ الروم : 1 - 3 ] كذبه المشركون وقالوا للصديق رضي اللّه عنه ألا ترى ما يقول صاحبكم ) يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ( يزعم أن الروم ستغلب ) الفرس ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يحب غلبة الروم لكونهم أهل كتاب والمشركون كانوا يحبون غلبة الفرس لكونهم عبدة الأوثان ، ( فخاطرهم أبو بكر ) رضي اللّه عنه أي راهنهم على مال ( بإذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما حقق اللّه صدقه ) وغلبت الروم الفرس وجاءت البشائر ( جاء أبو بكر ) رضي اللّه عنه ( بما راهنهم به ) من الأموال ، ( فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا سحت فتصدق به » ) والسحت كل مال حرام لا يحل كسبه ولا أكله ، وقيل : هو الحرام الذي يلزم صاحبه العار كأنه يسحت دينه ومروءته وتسمى الرشوة سحتا . وروي كسب الحجام سحت لكونه ساحتا للمروءة لا للدين ألا تراه أذن في طعامه الناضح والمملوك . قال الواحدي في تفسيره لقوله تعالى :أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ[ المائدة : 42 ] اجمعوا على أن المراد بالسحت هنا الرشوة في الحكم ، وقالوا : نزلت الآية في حكام اليهود كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم ، وأما اشتقاق السحت فقال الزجاج : إن الرشا التي يأخذونها يسحتهم اللّه بها بعذاب أن يستأصلهم . وقال أبو الليث : لأنه يسحت مروءة الإنسان . قال السبكي : وحاصله أن السحت حرام خاص ليس كل حرام يقال له سحت بل الحرام الشديد الذي يذهب المروءة ولا يقدم عليه إلا من به شره عظيم ورشوة الحاكم من هذا القبيل ، لذلك سماها اللّه تعالى سحتا .
( ففرح المؤمنون بنصر اللّه ) أهل الكتاب على المجوس ، ( وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إياه في المخاطرة مع الكفار ) قال العراقي : الحديث المذكور رواه البيهقي في الدلائل من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بإذنه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو عند الترمذي وحسنه والحاكم وصححه دون قوله أيضا : « هذا سحت فتصدق به » اه .
قلت : الأقرب إلى سياق المصنف ما أخرجه أبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر من حديث البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال : « لما نزلتألم غُلِبَتِ الرُّومُالآية قال المشركون لأبي بكر رضي اللّه عنه : ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارسا .
قال : صدق صاحبي . قالوا : هل لك أن نخاطرك فجعل بينه وبينهم أجلا فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارسا ، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم فساءه فكرهه ، وقال لأبي بكر : ما دعاك إلى هذا ؟ قال :
تصديقا للّه ورسوله . قال : تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين فأتاهم أبو بكر فقال :
هل لكم في العود : فإن العود أحمد ؟ قالوا : نعم فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارسا وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية ، فقمر أبو بكر فجاء به يحمله إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : هذا السحت تصدق به » .