فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
[ الروم : 1 - 3 ] كذبه المشركون ، وقالوا
شرح
رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم طعاما فدعاه فقام وقمنا معه ، فلما وضع الطعام تناول منه شيئا وتناولنا فأخذ بضعة فلاكها في فيه طويلا فجعل لا يستطيع أن يأكلها . قال : فرماها من فمه ، فلما رأيناه قد صنع ذلك أمسكنا عنه أيضا فدعا النبي صلّى اللّه عليه وسلم صاحب الطعام فقال : أخبرني عن لحمك هذا من أين هو ؟ قال يا رسول اللّه شاة كانت لصاحب لنا فلم يكن عندنا ما نشتريها منه وعجلنا وذبحناها فصنعناها لك حتى يجيء فنعطيه ثمنها ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم برفع الطعام وأمر أن يطعموه الأسارى » . وقال الطبراني في معجميه : حدثنا أحمد بن القاسم ، حدثنا بشر بن الوليد ، حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة بالإسناد المذكور ، وكذا رواه طلحة ، وابن المظفر ، وابن عبد الباقي من طريق بشر .
قال الحافظ في تخريج أحايث الهداية : وهذا معلول والمحفوظ ما رواه محمد بن الحسن عن أبي حنيفة اه .
وقد استدل به أصحابنا على أن الشاة إذا ذبحت بغير إذن مالكها لا يجوز الانتفاع بها قبل أداء الضمان . قال محمد بن الحسن في الآثار بعد أن أخرج هذا الحديث : وبه نأخذ ولو كان اللحم على حاله الأولى لما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يطعموها الأسارى ، ولكنه رآه قد خرج عن مالك الأول وكره أكله لأنه لم يضمن لصاحبه الذي أخذت شاته ، ومن ضمن شيئا صار له غصب من وجهه فأحب إلينا أن يتصدق به ولا يأكله وكذلك ربحه . والأسارى عندنا هم أهل السجن المحتاجون وهذا كله قول أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى اه .
وقال الزيلعي في شرح الكنز : والضابط في هذه المسألة أنه متى تغيرت العين المقصودة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها أو اختلطت بملك الغاصب بحيث لا يمكن تمييزها أصلا أو إلا بحرج زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها إلا الفضة والذهب . ألا ترى ما نحن فيه قد تبدلت العين وتجدد لها اسم آخر فصارت كعين أخرى حصلها بكسبه فيملكها غير أنه لا يجوز له الانتفاع به قبل أن يؤدي الضمان كيلا يلزم منه فتح باب الغصب وفي منعه حسم مادته ، ولو جاز الانتفاع أو لم يملكه لما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم :
« فاطعموه الأسارى » والقياس : أن يجوز الانتفاع به وهو قول زفر والحسن بن زياد وروايته عن أبي حنيفة لوجود الملك المطلق للتصرف ، ولهذا ينفذ تصرفه فيه كالتمليك لغيره ووجه الاستحسان ما بيناه ونفاذ تصرفه فيه لوجود الملك ، وذلك لا يدل على الحل . ألا ترى أن المشتري شراء فاسدا ينفذ تصرفه فيه مع أنه لا يحل له الانتفاع به ، ثم إذا دفع القيمة إليه وأخذه أو حكم الحاكم بالقيمة أو تراضيا على مقدار حل له الانتفاع لوجود الرضا من المغصوب منه لأن الحاكم لا يحكم إلا بطلبه فحصلت المبادلة بالتراضي .
( ولما نزل قوله تعالى :ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ