الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين ليكون عاما للمسلمين ، وحكم القسم الأوّل لا شبهة فيه .
أما التصدق وبناء القناطر فينبغي أن يتولاه القاضي فيسلم إليه المال إن وجد قاضيا متدينا وإن كان القاضي مستحلا ، فهو بالتسليم إليه ضامن لو ابتدأ به فيما لا يضمنه ، فكيف يسقط عنه به ضمان قد استقر عليه ، بل يحكم من أهل البلد عالما متدينا فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز فليتول ذلك بنفسه فإن المقصود الصرف ، وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح فلا يترك أصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه .
فإن قيل : ما دليل جواز التصدق بما هو حرام ، وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام . وحكي عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان ، فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال : لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي .
شرح
( وأمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين ليكون عاما للمسلمين ، وحكم القسم الأول لا شبهة فيه ) .
( أما التصدق ) على الفقراء ( وبناء القناطر ) وتعمير المساجد والمصانع ؛ ( فينبغي أن يتولاه القاضي ) فإنه الحاكم الشرعي ( فليسلم إليه المال ) المذكور ( إن وجد قاضيا متدينا ) حافظا لدينه ( وإن كان القاضي مستحلا ) للأموال بغير وجه شرعي ، ( فهو بالتسليم إليه ضامن ) للمال ( لو ابتدأ به فيما لا يضمنه ، فكيف يسقط عنه ضمان قد استقر عليه ) في ذمته ( بل يحكم من أهل البلد عالما متدينا فإن التحكيم أولى من الانفراد ، فإن عجز عن ذلك فليتول ذلك بنفسه فإن المقصود ) الأصلي ( الصرف ) أي صرف المال إلى مصرفه ، ( فإما عين صارف فإنما يطلبه لمصارفات دقيقة في المصالح فلا يترك أصل الصرف ) الذي هو المقصود ( بسبب العجز عن مصارف هو أولى عند القدرة عليه ) .
( فإن قيل : ما دليل جواز التصرف ) على الفقراء ( بما هو حرام ، وكيف يتصدق بما لا يملك ، وقد ذهب جماعة ) من السلف ( أن ذلك غير جائز لأنه حرام ) ويدل لذلك ما ( حكي عن الفضيل ) بن عياض رضي اللّه عنه ( أنه وقع في يده درهمان ، فلما علم أنهما من غير وجهه رماهما بين الحجارة وقال : لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضي لغيري بما لا أرضاه لنفسي ) وأصله قوله تعالى :وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ