الاعتماد عليه . فأما إذا أخبر به مجهول لا يدري من حاله شيء أصلا فهذا ممن جوزنا الأكل من يده لأن يده دلالة ظاهرة على ملكه . وربما يقال إسلامه دلالة ظاهرة على صدقه ، وهذا فيه نظر ، ولا يخلو قوله عن أثر ما في النفس حتى لو اجتمع منهم جماعة تفيد ظنا قويا إلا أن أثر الواحد فيه في غاية الضعف ، فلينظر إلى حد تأثيره في القلب فإن المفتي هو القلب في مثل هذا الموضع وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق فليتأمل فيه . ويدل على وجوب الالتفات إليه ما روي عن عقبة بن الحرث :
« أنه جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إني تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة ، فقال : دعها ، فقال : إنها سوداء - يصغر من شأنها - فقال عليه الصلاة والسلام : فكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما ؛ لا خير لك فيها دعها عنك » .
شرح
فقد تحصل الثقة بقوله : فيحل الاعتماد عليه ) وقيده بالمميز ليخرج به غير المميز فإنه لا تحصل الثقة بقوله : ولا الاعتماد عليه . وشهادة الصبي غير مقبولة عندنا إلا أن يتحمل في الصغر وأدى بعد البلوغ لأنه أهل للتحمل ، ( فأما إذا أخبر به مجهول لا يدري من حاله شيء أصلا فهذا مما جوّزنا الأكل من يده ) كما سبق قريبا ، ( لأن يده دلالة ظاهرة على ملكه ) فلا يعارض بغيره ، ( وربما يقال إسلامه دلالة ظاهرة على صدقه ) فيما تعدل ( وهذا فيه نظر ولا يخلو قوله عن أثر ما في النفس حتى لو اجتمع منهم جماعة ) فإنها ( تفيد ظنا قويا ) لأجل ذلك الاجتماع ، ( إلا أن أثر الواحد فيه في غاية الضعف فلينظر إلى حد تأثيره في القلب ) هل يقبله أم لا ؟
( فإن المفتي هو القلب في مثل هذا الموضع ) بنص الخبر « استفت قلبك » . ( وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق ) أي البيان اللساني ، ( فليتأمل فيه ) حق التأمل .
( ويدل على وجوب الالتفات إليه ) أي إلى القلب ( ما روي عن عقبة بن الحرث ) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النوفلي المكي ، كنيته أبو سروعة ويقال : أبو سروعة أخوه من مسلمة الفتح بقي إلى بعد الخمسين ، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي ( « أنه جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إني تزوّجت امرأة فجاءتنا أمة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة فقال : دعها ) أي فارقها واتركها ( فقال : إنها سوداء يصغر من شأنها . فقال :
وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما ) : ولفظ القوت : كيف وقد وفيه قد أرضعتكم ( لا خير لك ) ولفظ القوت : لكم ( فيها دعها عنك » وفي لفظ آخر « كيف وقد قيل » ) قال العراقي : رواه البخاري من حديث عقبة بن الحرث اه .
قلت : لفظ البخاري « أنه تزوّج فأتته امرأة فقالت : قد أرضعتكما ، فسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : كيف وقد قيل » . هكذا أخرجه في الشهادات ، وأخرجه أبو داود في القضاء ، والترمذي في الرضاع ، والنسائي في النكاح . قال الطيبي : كيف سؤال عن الحال ، وقد قيل حال وهما يستدعيان