تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
عدل واحد قبله وإن أخبره فاسق يعلم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز قبوله لأن هذا أمر بينه وبين اللّه تعالى والمطلوب ثقة النفس ، وقد يحصل من الثقة بقول فاسق ما لا يحصل بقول عدل في بعض الأحوال ، وليس كل من فسق يكذب ولا كل من ترى العدالة في ظاهره يصدق ، وإنما نيطت الشهادة بالعدالة الظاهرة لضرورة الحكم فإن البواطن لا يطلع عليها ، وقد قبل أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى شهادة الفاسق ، وكم من شخص تعرفه وتعرف أنه قد يقتحم المعاصي ثم إذا أخبرك بشيء وثقت به ، وكذلك إذا أخبر به صبي مميز ممن عرفته بالتثبت فقد تحصل الثقة بقوله فيحل
شرح
صاحب المال متهما ) عنده ( فليسأل من غيره فإذا أخبره عدل واحد قبله ) ولا يفتقر إلى استناده إلى عدل آخر ، ( وإن أخبره فاسق يعلم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز قبوله له لأن هذا أمر بينه وبين اللّه تعالى والمطلوب ثقة النفس ) واطمئنانها ، ( وقد يحصل من الثقة بقول فاسق ما لا يحصل بقول عدل في بعض الأحوال ) والصور ، ( وليس كل من فسق يكذب ولا كل من ترى العدالة في ظاهره يصدق وإنما نيطت ) أي علقت ( الشهادة ) وهي أخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان لا تخمين وحسبان ( بالعدالة الظاهرة لضرورة الحكم ، لأن البواطن لا يطلع عليها ) فهي موكولة إلى اللّه تعالى . ( وقد قبل أبو حنيفة ) رحمه اللّه تعالى ( شهادة فاسق ) ولم يقبل شهادة محدود في القذف وإن ناب ، وأما سماع شهادة من لا يعرف عدالته الباطنة فقال أبو حنيفة : يسأل الحاكم عن باطن عدالتهم في الحدود والقصاص قولا واحدا وفيما عدا ذلك لا يسأل عنهم إلا أن يطعن لخصم فيهم فما لم يطعن فيهم لم يسأل ويسمع شهادتهم فيهم ويكتفي بعدالتهم في ظاهر أحوالهم . وقال مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه : لا يكتفي الحاكم بظاهر العدالة حتى يعرف عدالتهم السابقة سواء طعن الخصم فيهم أو لم يطعن أو كانت شهادتهم في حد أو غيره . وعن أحمد رواية أخرى أن الحاكم يكتفي بظاهر اسلامهم ولا يسأل عنهم على الافتراق وهي اختيار أبي بكر . وأما شهادة الفاسق فقد أجازها أبو حنيفة خلافا للثلاثة ، ودليلهم قوله تعالى :وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ[ النور : 4 ] قالوا : يتعين رد الشهادة لفسقه . ويقول أبو حنيفة : الواو في قوله تعالى المذكور واو نظم لا واو عطف ، فيكون منقطعا عن الأول فينصرف الاستثناء إلى ما يليه ضرورة ، ولا جائز أن يكون رد شهادته على فسقه لأن الثابت بالنص في خبر الفاسق هو التوقف بقوله تعالى :فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا[ الحجرات : 6 ] لا الرد فتبين أن رد الشهادة لأجل أنه حد لا للفسق ، ولهذا لو أقام أربعة بعد ما حد أنه زنى تقبل شهادته بعد التوبة في الصحيح لأنه بعد إقامته البينة لا يحد بها فهكذا لا ترد شهادته . ( وكم من شخص تعرفه وتعرف أنه يقتحم ) أي يرتكب ( المعاصي ) والدناءات ( ثم إذا أخبرك بشيء وثقت به ) واطمأننت إليه ، ( وكذلك إذا أخبر به صبي مميز عرفته بالتثبت
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 615 | مرتضى الزبيدي