المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور . وقد سأل ابن المبارك صاحبه من البصرة عن معاملته قوما يعاملون السلاطين فقال : إن لم يعاملوا سوى السلطان فلا تعاملهم ، وإن عاملوا السلطان وغيره فعاملهم . وهذا يدل على المسامحة في الأقل ، ويحتمل المسامحة في الأكثر أيضا . وبالجملة ؛ فلم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يهجرون بالكلية معاملة القصاب والخباز والتاجر لتعاطيه عقدا واحدا فاسدا أو لمعاملة السلطان مرة . وتقدير ذلك فيه بعد والمسألة مشكلة في نفسها .
شرح
بكر المروزي : وسئل أبو عبد اللّه عن رجل اشترى حطبا واكترى دواب وحمله ثم تبين بعد أنه يكره ناحيتها كيف يصنع بالحطب . ترى أن يرده إلى موضعه ، وكيف ترى أن يصنع به ؟ فتبسم وقال : لا أدري . وعن رجل له شجرة في أرضه وأغصانها في أرض غيره قال : يقلع أغصانها . قيل له : فإن صالحه على أن تكون الغلة بينهم ؟ قال : لا أدري . قال : وسألت أبا عبد اللّه عن شيء من أمر الورع فأطرق رأسه إلى الأرض وسكت وكان ربما تغير وجهه يقول في بعض ما أسأله : أستغفر اللّه . قلت : فأي شيء تقول يا أبا عبد اللّه ؟ قال : أحب أن تعفيني . قلت : فإذا أعفيتك فمن أسأل لقد أصبح الأمراء متحيرين . قال : هذا أمر شديد . وقال : قلت لأبي عبد اللّه : إن حسنا مولى ابن المبارك حكى عن سعيد بن عبد الغفار أنه قال لابن المبارك : ما تقول في رجلين دخلا على ما تكره ناحيته فأجازهما فقبل واحد ولم يقبل الآخر ، فخرج الذي قبل فاشترى منه الذي لم يقبل ما تقول ؟ فسكت ابن المبارك . فقال له سعيد : ما يسكتك لم لا تجيبني ؟ فقال : لو علمت أن الجواب خير لي لأجبتك . قال له سعيد : أليس أصلنا على الكراهة ؟ قال ابن المبارك : نعم . فقال أبو عبد اللّه : ومن يقوى على هذا ؟ قال له : فما تقول في رجل أجازه فاشترى دارا ترى أن أنزلها ؟
فسكت ابن المبارك . فقال : هذا أضيق أكره أن أجيبك .
( فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور ، وقد سأل ) عبد اللّه ( بن المبارك ) رحمه اللّه تعالى ( صاحبه من البصرة بمعاملة قوم يعاملون السلاطين فقال : إن لم يعاملوا سوى السلاطين فلا تعاملهم ، وإن عاملوا السلطان وغيرهم فعاملهم ) ولفظ القوت :
وحدثنا عن محمد بن شيبة قال : كتب غلام ابن المبارك إليه إنا نبايع أقواما يبايعون السلطان ، فكتب إليه ابن المبارك إذا كان الرجل يبايع السلطان وغيره فبايعه وإذا قضاك شيئا فاقبض منه إلا أن يقضيك شيئا تعرفه بعينه حراما فلا تأخذه ، وإذا كان لا يبايع إلا السلطان فلا تبايعه اه .
( وهذا يدل على المسامحة في الأقل ، ويحتمل المسامحة في الأكثر أيضا ) إذا لم يعرف فيه حرام بعينه . ( وبالجملة فلم ينقل عن الصحابة ) رضي اللّه عنهم ( أنهم كانوا يهجرون معاملة قصاب ) أي جزار ( وخباز وتاجر لتعاطيه عقدا واحدا فاسدا ولمعاملة سلطان مرة ) وفي نسخة : ولمعاملته السلطان مرة . ( وتقدير ذلك فيه بعد ) وتعسف . ( والمسألة مشكلة في نفسها ) .