التفتيش ويتكلم بالكلام الخشن المؤذي وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده طلبا للشهرة بأكل الحلال ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري وهو غير مؤاخذ بما لا يدري ، إذ لم يكن ثم علامة توجب الاجتناب ، فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بدّ من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن ، هذا هو المألوف من الصحابة رضي اللّه عنهم ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع ، فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق ما في الأرض جميعا . كيف وقد أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طعام بريرة فقيل : إنه صدقة ، فقال : « هو لها صدقة ولنا هدية » . ولم يسأل عن المتصدق عليها ، فكان المتصدق مجهولا عنده ولم يمتنع .
الحالة الثانية : أن يكون مشكوكا فيه بسبب دلالة أورثت ريبة ، فلنذكر صورة الريبة ثم حكمها .
شرح
فأمر بالاجتناب عن سوء الظن بالمسلم وجعله إثما مبالغة ، ونهى عن التجسس والاغتياب ، ( وكم من زاهد جاهل يوحش القلوب ) أي يثير الوحشة والنفرة في القلوب ( في التفتيش ) والتنقير ، ( ويتكلم بالكلام الخشن ) المؤذي ، ( وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده ) ويزينه ( طلبا للشهرة ) بين الناس ( بأكل الحلال ، ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى ) ويستوحش ( أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري وهو غير مؤاخذ بما لا يدريه إذا لم يكن هناك علامة توجب الاجتناب ) . وأما الايذاء والتجسس والاغتياب ؟ فإنه مؤاخذ بكل من ذلك . ( فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بدّ من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن وهذا هو المألوف ) المعروف ( من ) أحوال ( الصحابة ) رضي اللّه عنهم كما يعرفه من سبر سيرهم ، ( ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال ) عن الرشد ( مبتدع وليس بمتبع ) سننهم ، ( فلن يبلغ أحد مدّ أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق ما في الأرض جميعا ) كما جاء ذلك في الخبر ، والمد : بالضم مكيال معروف ، والنصيف كأمير لغة في النصف بالكسر . ( وقد أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طعام بريرة ) وهي الشاة التي تصدق بها عليها ، وبريرة هي مولاة عائشة رضي اللّه عنها صحابية جليلة عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية ( فقيل : إنها ) أي الشاة ( صدقة ، فقال : « هي لها صدقة ولنا هدية » ولم يسأل عن المتصدق عليها فكان المتصدق ) بها عليها ( مجهولا عنده ) صلّى اللّه عليه وسلم ( ولم يمتنع ) . والحديث المذكور أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس .
( الحالة الثانية : أن يكون مشكوكا فيه بسبب دلالة أورثت ريبة فلنذكر صورته ) أوّلا ( ثم ) نبين ( حكمه ) ثانيا .