ولو تظاهرت شبهات شتى على شيء واحد كان الأمر أغلط ، مثل أن يأخذ طعاما مختلفا فيه عوضا عن عنب باعه من خمّار بعد النداء يوم الجمعة والبائع قد خالط ماله حرام وليس هو أكثر ماله ولكنه صار مشتبها به فقد يؤدي ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامها ، فهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها وليس في قوة البشر حصرها فما اتضح من هذا الشرح أخذ به وما التبس فليجتنب فإن الإثم حزاز القلب .
وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أما حيث حرّمه فيجب الامتناع ، ثم لا يعوّل على كل قلب فرب موسوس ينفر عن كل شيء ورب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء ولا اعتبار بهذين القلبين ، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور ، وما أعز هذا القلب في القلوب فمن
شرح
بعض ، ولو تظاهرت شبهات شتى ) من وجوه مختلفة وتواردت ( على شيء واحد لكان الامر أغلط ) وأشد ( مثل أن يأخذ طعاما مختلفا فيه ) فهذه شبهة ( عوضا من عنب باعه من خمّار ) فهذه شبهة ثانية ( بعد النداء ) أي الأذان بعد الزوال ( يوم الجمعة ) فهذه شبهة ثالثة ، ( والبائع قد خالط ماله حرام وليس هو ) أي ذلك المال الذي خالطه ( أكثر ماله ولكنه صار مشتبها به ) فهذه شبهة رابعة ، وإنما قيده بما ذكر فإنه إذا تحقق حرمه ماله فإنه يكون حراما لا شبهة وكلامنا في الشبهات ( فقد يؤدي ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامه ) أي الدخول فيه ، وفي بعض النسخ في اقتحامها والضمير يعود إلى الشبهات ، ( فهذه مراتب عرفنا طرق الوقوف عليها ) وفي نسخة طريق الوقوف عليها ، ( وليس في قوّة البشر حصرها ) وضبطها ( فما اتضح من هذا الشرح أخذ به ) وعمل به ( وما التبس ) واختلط . ولم يتبين أمره ( فليجتنب فإن الإثم حزاز القلوب ) يحز في الصدر ويحك فيه ، ( وحيث قضينا ) في التقرير الذي أسلفناه ( باستفتاء القلب ) وهو الذي دل عليه حديث « استفت قلبك » ( أردنا به ما أباح المفتي ) بفتواه ، ( أما حيث حرم فيجب الامتناع ثم ) إذا علمت ذلك فاعلم أنه ( لا يعوّل على كل قلب فرب موسوس ينفر عن كل شيء ورب شره ) حريص ( متساهل ) مسترسل ( يطمئن إلى كل شيء ) ولفظ القوت : فالحلال ما تبين وظهر وكنت فيه على يقين واطمأن قلب المؤمن به ، والحرام ضده أيضا ما تبين وانكشف وكنت على يقين ونفر قلب المؤمن منه واشمأز ، وقد يطمئن بعض القلوب إلى شيء لقلة ورعها وقد ينفر بعض القلوب من شيء لقصور علمها ، ( ولا اعتبار بهذين القلبين ) ولفظ القوت : وليس يقع بهذين القلبين اعتبار ، ( وإنما الاعتبار بقلب ) المعيار الذي جعل كالمحك تختبر به معادن الملكوت وهو قلب ( الموقن ) العالم ( المراقب لدقائق الأحوال ، فهو المحك الذي تمتحن به خفايا ) حقائق ( الأمور ) من عالم الملكوت ، ( وما أعز هذا القلب في القلوب ) فهو كالذهب في سائر المعادن وهو الذي ردّ إليه صلّى اللّه عليه وسلم