فهمه الصحابة منها بالقرائن والدلالات . وكل ذلك وسواس فإذا لا طرف من أطراف الشبهات إلا وفيها غلو واسراف ، فليفهم ذلك . ومهما أشكل أمر من هذه الأمور فليستفت فيه القلب وليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وليترك حزاز القلوب وحكاكات الصدور وذلك يختلف بالأشخاص والوقائع ، ولكن ينبغي أن يحفظ قلبه عن دواعي الوسواس حتى لا يحكم إلا بالحق ولا ينطوي على حزازة في مظان الوسواس ولا
شرح
فهمه الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( منها ) أي من تلك العمومات ( بالقرائن ) المحتفة ( والدلالات ) المعينة .
اعلم أن العموم لغة إحاطة الأفراد دفعة ، وعرفا يقع من الاشتراك في الصفات ، والعام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد ، والعموم إما لغة بنفسه كلي للكل ومن للعالمين وما لغيرهم ، وأين للمكان ، ومتى للزمان ، أو بقرينة في الإثبات كالجمع المحلي بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس ، أو بقرينة في المنفي كالنكرة في سياقه ، أو عرفا مثلحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ[ النساء : 23 ] فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات ، أو حكما كترتب الحكم على الوصف . وأما استدلال الصحابة بعموم هذه الصيغ استدلالا شائعا من غير نكير فكان إجماعا بيانه : أنهم قد استدلوا بعموم اسم الجنس المحلي بأل كقوله تعالىالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي[ النور : 2 ] وبعموم الجمع المضاف ، فإن فاطمة رضي اللّه عنها احتجت على أبي بكر رضي اللّه عنه في توريثها من النبي صلّى اللّه عليه وسلم الأرض المعروفة وهي فدك والعوالي بقوله تعالىيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ[ النساء : 11 ] واستدل أيضا أبو بكر بعمومه فإنه رد على فاطمة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » . واستدل عمر بعموم الجمع المحلي فإنه قال لأبي بكر حين عزم على قتال مانعي الزكاة كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فقال أبو بكر ، أليس أنه قال قال « إلا بحقها » وتمسك أيضا أبو بكر به ، فإن الأنصار لما قالوا : منا أمير ومنكم أمير رد عليهم أبو بكر بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « الأئمة من قريش » رواه النسائي .
( وكل ذلك وسواس فإذا لا طرف من أطراف الشبهات إلا وفيه غلو ) تجاوز عن الحد ( وإسراف ، فليفهم ذلك ) وليتنبه له . ( ومهما أشكل ) والتبس ( أمر من هذه الأمور فليستفت فيه القلب ) أي يتوجه إليه ويسأله ( فليأخذ بالورع ) والاحتياط ( فيما يريبه ) أي يوقعه في الريب ( إلى ما لا يريبه ) لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ( وليترك حزاز القلوب ) أي ما يحز القلب ( وحكاكات الصدور ) أي ما يحك في الصدور وفي بعض النسخ . وحياكات الصدور وكل منهما وارد صحيح ( وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والوقائع ) فما كل شخص يحك في صدره ولا كل واقعة يعتبر فيها حزازة القلب ، ( ولكن ينبغي أن يحفظ ) السالك ( قلبه من دواعي الوسواس ) وخطور الخطرات النفسية ( حتى لا يحكم إلا