فإن النقلة وإن كانوا عدولا فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي جائز عليهم لأن العدل أيضا قد يكذب والوهم جائز عليهم فإنه قد يسبق إلى سمعهم خلاف ما يقوله القائل ، وكذا إلى فهمهم فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة فيما كانوا يسمعون من عدل تسكن نفوسهم إليه . وأما إذا تطرقت شبهة بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي فللتوقف وجه ظاهر وإن كان عدلا وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتدّ به ،
شرح
كانوا عدولا ) أي ثبتت عدالتهم ، ( فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي ) بحيث لا يدركه إلا الأفراد ( جائز عليهم ) جوازا عقليا ، ( فإن العدل أيضا قد يكذب والوهم جائز عليهم ) ولا مانع من ذلك ، ( فإنه قد يسبق إلى سمعهم خلاف ما يقوله القائل ، وكذا إلى فهمهم ) وفي بعض النسخ فإنه قد يسبق إلى فهمهم خلاف ما يقوله القائل ، ( فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ، ( فما كانوا يستمعونه من عدل ) كانت ( تسكن نفوسهم إليه ) وتطمئن بما سمعوه وتلقفوه ، ( فأما إذا تطرقت تهمة ) أي عرض ما يتهم به ( بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي ) لذلك الخبر ( فللتوقف ) عن العمل بما رواه ( وجه ظاهر وإن كان عدلا ) في نفسه ( وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتدّ به ) .
اعلم أن الجمهور على أنه لا يشترط في الصحيح عدد فيحكم بصحة خبر الواحد إذا كان عدلا ضابطا ، وذهب المعتزلة إلى اشتراط العدد كالشهادة وردوا خبر الواحد ، ووافقهم من المحدثين إبراهيم بن علية إلا أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال ، وفي كلام الحاكم إشارة إليه ، وجزم به ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول . وقال أبو علي الجبائي : لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد إلا إذا انضم إليه خبر عدل آخر وعضده موافقة ظاهر الكتاب أو ظاهر خبر آخر ويكون منتشرا بين الصحابة أو عمل به بعضهم حكاه أبو الحسن البصري في المعتمد ، واحتجوا بقصة ذي اليدين فإنه صلّى اللّه عليه وسلم توقف في خبره حتى تابعه عليه غيره حيث قال : « أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا :
نعم » رواه الشيخان ، وبأن أبا بكر لم يقبل خبر المغيرة أنه صلّى اللّه عليه وسلم أعطى الجدة السدس وقال : هل معك غيرك فوافقه محمد بن مسلمة الأنصاري فأنفذه لها أبو بكر ، رواه أبو داود ، وبأن عمر لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع » وقال :
أقم عليه البينة فوافقه أبو سعيد الخدري رواه الشيخان ، وأجاب الأولون بأن قصة ذي اليدين إنما حصل التوقف في خبره لأنه أخبر عن فعله صلّى اللّه عليه وسلم ، وأمر الصلاة لا يرجع المصلي فيه إلى خبر غيره ، بل ولو بلغوا حد التواتر فلعله إنما تذكر عند إخبار غيره ، وقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رسله واحدا واحدا إلى الملوك ووفد عليه الآحاد من القبائل فأرسلهم إلى قبائلهم ، وكانت الحجة قائمة بأخبارهم عنه مع عدم اشتراط التعدد ، وأما توقف أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما فلإرادة التثبت لا لعدم قبول خبر الواحد ، وقد قال عمر في خبر الاستئذان : إنما سمعت شيئا فأحببت أن