تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
شرح
« لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه » وقد رفع قوله عليه السلام « كلوا فإنه حلال » . كل أشكال فإنه نص لا يقبل التأويل ، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف ، وكرهه أبو حنيفة ، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي ، وحكاه ابن بطال عن الكوفيين ، وحكى ابن المنذر عن علي رضي اللّه عنه ، وحكى ابن حزم عن جابر أنه قال : لا تطعموه . وذهبت طائفة إلى تحريمه حكاه المازري والقاضي عياض وغيرهما ، وقال النووي في شرح مسلم : أجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته ، وإلّا ما حكاه عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام ، وما أظنه يصح عن أحد فإن صح عن أحد فمحجوج بالنص وإجماع من قبله اه . قلت : الكراهة قول الحنفية بلا شك كما أسلفناه ، واختلفوا في المكروه ، والمروي عن محمد بن الحسن أن كل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام ، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب ، وقد قدمنا ذلك قريبا ولكنا أعدناه هنا ليظهر بذلك وجوه الخلاف في تحريمه أيضا عند أبي حنيفة ، ولهذا نقل العمراني في البيان عن أبي حنيفة تحريمه وهو ظاهر قول ابن حزم ، ولم ير أبو حنيفة أكله والخلاف عند المالكية أيضا ، فحكى ابن شاش وابن الحاجب فيه وفي كل ما قيل أنه منسوخ ثلاثة أقوال : التحريم والكراهة والجواز ، وذكر مسلم أن حديث ابن عباس في أكل خالد بن الوليد للضب ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينظر هو الناسخ لخبر أبي حنيفة لأن ابن عباس لم يجتمع مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا بعد الفتح وحنين والطائف ولم يغز بعدها إلا تبوك ولم تصبهم في تبوك مجاعة أصلا ، وصح أن خبر أبي حنيفة الذي تقدم كان قبل هذا وهكذا . قال ابن حزم في حديث عبد الرحمن بن حسنة أنه صحيح إلا أنه منسوخ لأن فيه اكفاء القدور بالضباب خوفا أن يكون من بقايا مسخ الأمم السابقة ، وقال غيره : ليس فيه الجزم بأنها ممسوخة واكفاؤها إنما هو على سبيل الاحتياط والورع . قال الولي العراقي : وأما العيافة فلا تقتضي التحريم وفي عبارة القاضي أبي بكر بن العربي إشارة إلى التحريم في حق العائف فإنه قال : ولكن يبقى حلالا لمن اعتاده فإن صح فسببه خشية الضرر بالعائف ، وقد استشكل بعضهم قوله عليه الصلاة والسلام « ولم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه » وقال : إن الضب موجود بمكة ، وقد انكر ذلك ابن العربي وقال : إن فيه تكذيب الخبر وإن الناقل لوجودها كاذب أو سميت له بغير اسمها أو حدثت بعد ذلك هذا كلامه ، والحق أن قوله لم يكن بأرض قومي لم يرد به الحيوان ، وإنما أراد أكله أي يمتنع أكله بأرض قومي ، وفي المعجم الكبير للطبراني من حديث « 1 » مرفوعا « إن أهل تهامة تعافها » قال أبو العباس القرطبي : وقد جاء في غير كتاب مسلم أنه عليه السلام إنما كرهه لرائحته ، فقال : إنّي يحضرني من اللّه حاضرة يريد الملائكة فيكون هذا كنحو ما قال في الثوم إني أناجي من لا تناجي . قال : ولا بعد في تعديل كراهة الضب
هامش
( 1 ) هنا بياض في الأصل .