تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
لم تبلغه هذه الأحاديث ولو بلغته لقال بها إن أنصف وإن لم ينصف منصف فيه كان خلافه غلطا لا يعتد به ولا يورث شبهة كما لو لم يخالف وعلم الشيء بخبر الواحد . الرتبة الثالثة : أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلا ولكن يكون الحل معلوما بخبر الواحد فيقول القائل : قد اختلف الناس في خبر الواحد فمنهم من لا يقبله فأنا أتورع ،
شرح
لمجموعها ، ( فالظن بأبي حنيفة ) رحمه اللّه تعالى ( أنه لم تبلغه هذه الأحاديث ولو بلغته لقال بها إن أنصف ) . قلت : وهذا بعيد ولم ينفرد به أبو حنيفة ، بل هو قول الكوفيين غيره كما حكاه ابن بطال ، وحكاه أبن المنذر عن علي ، وابن حزم عن جابر ، ويستبعد عن هؤلاء أن لا يبلغهم تلك الأحاديث وأمثل ما احتج به القائلون بالكراهة أو التحريم حديث عبد الرحمن بن شبل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « نهى عن أكل الضب » رواه أبو داود وابن ماجة ، وحديث عائشة قالت : أهدي لنا الضب فقدمته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلم يأكل منه فقلت : يا رسول اللّه ألا نطعمها السؤال ، فقال « إنا لا نطعمهم مما لا نأكل » . وقد اعترض المخالفون فقالوا : حديث عبد الرحمن بن شبل ينفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة هذا قول البيهقي ، وقال ابن حزم : فيه ضعفاء ومجهولون . وقال المنذري في اسناده . إسماعيل بن عياش وضمضم بن زرعة وفيهما مقال . وقال الخطابي : ليس إسناده بذلك ، والجواب عن هذا أن هذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحراني عن عبد الرحمن بن شبل ، وضمضم حمصي ، وابن عياش إذا روى عن الشاميين كان حديثه صحيحا كذا قاله ابن معين والبخاري وغيرهما . وكذا قال البيهقي نفسه في باب ترك الوضوء . من الدم ، ولهذا أخرج أبو داود هذا الحديث وسكت عليه فهو حسن عنده على ما عرف ، وقد صحح الترمذي لابن عياش عدة أحاديث من روايته لأهل بلده فتأمل ذلك . وتقدم أن القول بالكراهة هو مذهب أبي يوسف ومحمد ، وخالفهم أبو جعفر الطحاوي فذهب إلى ما ذهب إليه الشافعي والجماعة ، وأما حديث عائشة وهو الذي احتج به محمد واعتمد عليه صاحب الهداية فقد رواه أبو حنيفة عن حماد عن أبي إبراهيم عن الأسود عن عائشة ، وكذا رواه أحمد وأبو يعلى والطحاوي من طريق يزيد بن هارون وعفان ومسلم بن إبراهيم كلهم عن حماد بن سلمة . ( ولو لم ينصف فيه كان خلافه غلطا لا يعتد به ولا يورث شبهة كما لو لم يخالف وعلم الشيء بخبر الواحد ) كما سيأتي بيانه . ( المرتبة الثالثة : أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلا ، ولكن يكون الحل معلوما بخبر الواحد بأن يرويه واحد عن واحد وهكذا إلى الطبقة الأخيرة ، ( فيقول القائل : قد اختلف في خبر الواحد ) أي في العمل به ، ( فمنهم من لا يقبله ) وهم الشيعة وبعض المعتزلة كما سيأتي بيانه ، ( فأنا أتورع ) واحتاط ( فإن النقلة ) محركة جمع ناقل أي حملة الأخبار وناقلوه ( وإن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 577 | مرتضى الزبيدي