تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
الرتبة الثانية : وهي مزاحمة لدرجة الوسواس أن يتورع الإنسان عن أكل الجنين الذي يصادف في بطن الحيوان المذبوح وعن الضب ، وقد صح في الصحاح من
شرح
اللّه معتقدا أن علة حرمة هذا الإهلال حتى يلزم من انتفائه انتفاء الحرمة ، وحينئذ يلزم إباحة التارك لأنه لم يسم اللّه عليه ولا غيره ، ولو أثبت عليه هذه الصفة للحرمة المناسبة لكان أصلح وأولى من اثباته بقاعدة يخالف الخصم فيها ، وهي أن تخصيص الحكم بالصفة يدل على نفي الحكم عما عداها ، والنزاع فيها مع أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى وهذا الفاضل ذكر في المحصول أنه لا يدل على نفيه عنده وعند أكابر أصحابنا كابن سريج والقاضي أبي بكر وإمام الحرمين رحمهم اللّه تعالى ، واعترف بأن الحق معه فكيف يجعله الآن حجة عليه ، وأيضا فإنه إثبات متنازع بمتنازع شروع فيه قبل إتمام الأول وهو مستدرك وقبيح عند أهل العلم ، وأما تمسكه في متروك التسمية بهذه الآيات التي سردها على كثرتها ، فمن أبين المستدركات لأنها إن لم تدل على حله فلا يصح التمسك بها ، وإن دلت عليه ففيها مندوحة عن تلك المقدمات الطويلة لأنه كان يمكنه أن يقول متروك التسمية مباح لقوله تعالىأُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُولقولهقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِولقولهقُلْ لا أَجِدُالآية لأن كلّا من هذه الآيات نزل بعمومها على مرامه من غير احتياج إلى المقدمات التي أسلفها ، فالاعتصام بواحدة من هذه الآيات يكفي ، وحينئذ يضيع جميع ما ذكر وحصره التحريم فيما أهل به لغير اللّه غير مفيد أيضا لأن من جملة صور النزاع ما لم يذكر الذابح ولا غيره اسم اللّه تعالى على الذبيح ولا اسم غيره عمدا ، فالنهي في الآية يدل على تحريمه والمستدل لا يقول به فصار ملزما محجوجا ، وإن سلمنا صحة جميع ما ذكر ، ولكن لا يثبت مدعاه الأول لأنه قال متروك التسمية مباح لقوله تعالىوَلا تَأْكُلُواالآية والتمسك بالنص إنما يصح إذا بيّن أنه بانفراده يدل على الحكم ويثبته كما تقول : الصلاة واجبة لقوله تعالى :وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ *وكذا الزكاة لقوله :وَآتُوا الزَّكاةَ *وكذا الحج لقولهوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ[ آل عمران : 97 ] فأما أن يذكر مقدمات تنتج الحكم فذلك مما لا تعلق له بالنص ، فرحم اللّه من أنعم النظر في هذه المباحثات منصفا وأصبح بالإجابة إلى الحق مسعفا . قال الشيخ مجد الدين : العجب كل العجب من هذا الإمام الذي عمّ البسيطة تصانيفه ، وفوائده كيف رضي لنفسه هذا الاستدلال ، وكيف يتبجح بمثله مع ضعفه وكيف ذهل تلامذته الفضلاء خصوصا المذكور الذي حكى وكتب عنه من تهافته ، ومع هذا فأحلف باللّه العظيم وبجميع المغلظات أن قوله تعالىوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِالخ لا يدل على إباحة متروك التسمية لا وضعا ولا عقلا . نسأل اللّه ربنا أن يبين لنا الحق ويرشدنا إليه ويرزقنا فهمه ويثبتنا عليه ، واللّه أعلم . ( الرتبة الثانية : وهي مزاحمة لدرجة ) وفي نسخة : وهو متاخم درجة ( الوسواس ) وذلك ( أن يتورع الإنسان عن أكل الجنين الذي يصادفه في بطن الحيوان المذبوح وعن ) أكل ( الضب ) وهو الحيوان المعروف ، ( وقد صح في الصحاح من الأخبار ) الورادة ( حديث