تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
شرح
الحكم بعدم التحريم حينئذ هذا لحم مستطاب منتفع به ، فكان داخلا تحت قوله تعالىأُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ[ المائدة : 4 ] وتحت قوله تعالىقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ[ الأعراف : 32 ] فوجب الحكم بحل هذا اللحم لهذه العمومات وترك العمل بها فيما أهل به لغير اللّه لقوله تعالى :وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌفوجب أن يبقى ما عداه على أصل الحل فيثبت بما ذكرنا من دلالة الآية أن متروك التسمية مباح . قال الإمام فخر الدين رحمه اللّه : لما قررت هذه الدلالة على هذا الوجه لم يقدر أحد على الطعن فيها ، فثبت أن الذي ظنوه حجة لهم فهو حجة عليهم والسلام . اعترض عليه الإمام مجد الدين الروذراوري فقال : ادعاء الحصر في مدلولي الواو باطل لأنها قد تكون للاستئناف والابتداء كما في قوله تعالىوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ[ الصافات : 114 ] وقوله تعالىوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً[ النمل : 15 ] وكيف يصح ذلك ممن يرى في الآية التي استدل بها الواو في موضعين مقيدة بغير المعنيين وهما قوله تعالىوَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ[ الأنعام : 121 ] وقولهوَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ[ الأنعام : 121 ] وأما ادعاء أنها واو الحال فمستغرب أيضا لأنه لا يلفي في كلام العرب واو تقرن بأن ، وفي حيزها اللام وتكون للحال . وقوله : رأيت الأمير جملة وقد تمت ، وقوله : وإنه لآكل جملة أخرى مستأنفة فمن ادعى أنها للحال فليس بالدليل ، وقوله : فسق مجمل أيضا بعيد بديع وأي إجمال في لفظ الفسق وكل أحد يفهم أنه الخروج عن طاعته سبحانه وتعالى ، ويسمى كل ما يخالف الطاعة فسقا ومعصية ، وإن سلم فيه الإجمال فما الذي يدل على أن بيانه قوله ( أو فسقا أهل لغير اللّه به ) لا بدّ لذلك من دليل ، ثم نقول : الضمير في قوله ( وانه لفسق ) إما أن يعود إلى المذبوح وذلك غير جائز لأن تسمية الجسم فسقا مجاز محض وهو مخالف للأصل وإما أن يعود إلى الأكل الذي هو مصدر يدل عليه قوله ( ولا تأكلوا ) وهو الحق فحينئذ يبطل الاستدلال به على كونه مباحا لأن النهي عنه يدل على تحريمه ظاهرا وغالبا وقد جعله اللّه فسقا حيث قال : وإنه لفسق لأنا نتكلم على تقدير عود الهاء إلى الأكل ، فحينئذ يكون أكله محرما وفسقا فكيف يكون مباحا . وقوله : فصار تقدير الآيةوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِحال كونه مهلا به لغير اللّه ، فجوا به أن هذا المجموع أخص مما لم يذكر اسم اللّه عليه لانقسام ذلك إلى ما يهل به لغير اللّه وإلى ما لا يهل به لغير اللّه وإلى ما لا يهل به لأحد ، وحمل الكلام على أعم المعنيين أولى لأنه أعم فائدة ، فحمل الآية على ما لا يذكر عليه اسم اللّه أولى لعموم فائدته ، وأيضا ندعي أن التحريم المجمع عليه إنما كان للإعراض عن تسمية الخالق الرازق والإخلال بتعظيمه لأنه مناسب ، فلئن قيل : هلا كان كتسمية غيره عليه لأنه كالاشتراك أو للمجموع للمناسبة . قلنا : إضافة الحكم إلى المعنى العام المناسب المشترك بين الصور أولى من إضافته إلى المناسب المختص ببعض الصور كما في تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان دون النظر إلى كون المقتول شريفا عالما زاهدا مع أن ذلك أدخل في المناسبة ونظائره كثيرة . فالحاصل ، أن الإمام حاول بتطويل هذه المقدمات وتكثيرها حصر الحرمة في ذبيح أهل به لغير
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 572 | مرتضى الزبيدي