وبالجملة ؛ لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا جاوز ما رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه . وقد روي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه أحرق كرمه خوفا من أن يباع العنب ممن يتخذه خمرا وهذا لا أعرف له وجها إن لم يعرف هو سببا خاصا يوجب الإحراق ؟ إذ ما أحرق كرمه ونخله من كان أرفع قدرا منه من الصحابة ، ولو جاز هذا لجاز قطع الذكر خيفة من الزنا وقطع اللسان خيفة من الكذب إلى غير ذلك من الاتلافات .
( وأما المقدمات ) : فلتطرق المعصية إليها ثلاث درجات .
الدرجة العليا : التي تشتد الكراهة فيها ما بقي أثره في المتناول كالأكل من شاة علفت بعلف مغصوب أو رعت في مرعى حرام ، فإن ذلك معصية وقد كان سببا لبقائها وربما يكون الباقي من دمها ولحمها وأجزائها من ذلك العلف ، وهذا الورع مهم وإن لم يكن واجبا ، ونقل ذلك عن جماعة من السلف . وكان لأبي عبد اللّه الطوسي التروغندي
شرح
( وبالجملة : لا ينبغي أن يشتغل الإنسان بدقائق الورع إلا بحضرة عالم ) كامل ( متقن ) في الأصول والفروع متضلع من المعارف الربانية مرشد محقق ، ( فإنه إذا جاوز ما رسم له ) في حد من الحدود المتعلقة به ( وتصرف بذهنه ) أي بما تخيله فيه ( من غير سماع ) من مرشد كامل ( كان ما يفسده أكثر مما يصلحه . وقد روي عن سعد بن أبي وقاص ) الزهري أحد العشرة رضي اللّه عنه وقد تقدمت ترجمته ( أنه أحرق كرمه ) بالنار ( خوفا من أن يباع العنب ممن يتخذه خمرا وهذا لا أعرف له وجها إن لم يعرف هو سببا خاصا يوجب الإحراق ) ولعل ذلك السبب الخاص أن الكرم المذكور كان قد تعود الخمار بأخذ عنبه في كل سنة فرأى المصلحة في إحراقه ، ( وإذ ما أحرق نخيله وكرمه من كان أرفع قدرا من الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ، ( ولو جاز هذا ) على عمومه ( لجاز قطع الذكر خيفة من ) الوقوع في ( الزنا ، و ) لجاز ( قطع اللسان خيفة من ) الوقوع في ( الكذب إلى غير ذلك من الآفات ) ومن المعلوم أن ذلك غير جائز ، ( وأما المقدمات فلتطرق المعصية إليها أيضا ثلاث درجات .
الدرجة العليا : التي تشتد الكراهة فيها ) هو ( ما بقي أثره في المتناول كالأكل من ) لحم ( شاة علفت بعلف مغصوب ) أو سقيت بماء مغصوب ( أو رعت في مرعى حرام ) أو حلال وكان مغصوبا ، ( فإن ذلك معصية وقد كان ) العلف المذكور ( سببا لبقائها ) في قيام البنية ، ( وربما يكون الباقي من لحمها ودمها وأجزائها من ذلك العلف ) أو المرعى ، ( وهذا الورع مهم ) في نفس الأمر ( وإن لم يكن واجبا ) في فتوى الظاهر ، ( وفعل ذلك جماعة من السلف ) رحمهم اللّه تعالى . ( وكان لأبي عبد اللّه الطوسي ) التروغندي وقد وجد في بعض