تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
الاحتمال قد تعارض وقد كره السلف بيع السيف في وقت الفتنة خيفة أن يشتريه ظالم فهذا ورع فوق الأول والكراهية فيه أخف ، ويليه ما هو مبالغة ويكاد يلتحق بالوسواس وهو قول جماعة أنه لا تجوز معاملة الفلاحين بآلات الحرث لأنهم يستعينون بها على الحراثة ويبيعون الطعام من الظلمة ولا يباع منهم البقر والفدان وآلات الحرث ، وهذا ورع الوسوسة إذ ينجر إلى أن لا يباع من الفلاح طعام لأنه يتقوى به على الحراثة ولا يسقي من الماء العام لذلك ، وينتهي هذا إلى حد التنطع المنهي عنه . وكل متوجه إلى شيء على قصد خير لا بدّ وأن يسرف إن لم يزمه العلم المحقق ، وربما يقدم على ما يكون بدعة في الدين ليستضر الناس بعده بها وهو يظن أنه مشغول بالخير ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم :
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 104 ] .
شرح
( ولم يكن خمارا ، وبيع السيف ممن يغزو ويظلم أيضا ) أي كان معروفا بالجهاد للكفار وبالظلم أيضا ( لأن الاحتمال ) هنا ( قد تعارض ) ولا ترجيح لأحدهما . ( وقد كره السلف بيع السيف في وقت الفتنة خيفة من أن يشتريه ظالم ) فيقتل به مظلوما ، ( فهذا ورع فوق الأول والكراهية فيه أخف ) بالنسبة إلى ما سبق ، ( ويليه ما هو مبالغة ويكاد يلتحق بالوسواس وهو قول جماعة من الناس أنه لا يجوز معاملة الفلاحين ) وهم أهل السواد ( بآلة الحرث ) أي الزراعة قالوا : ( لأنهم يستعينون بذلك على الفلاحة ) أي شق الأرض ( والحرث ) أي وضع الحب فيها ( ويبيعون الطعام ) المتحصل منها ( من الظلمة ) والأجناد والجائرين ، ( فلا يباع منهم البقر والفدان ) وهو آلة الحرث ويطلق على الثورين يحرث عليهما في قران ، ( وهذا ورع الوسوسة ) أداهم ورعهم إلى هذا الوسواس ( إذ ينجر إلى أن لا يباع من الفلاح طعام لأنه يتقوى به على الحراثة ) وما تحصل من الحراثة يبيعها من الظلمة ، ( ولا يسقي من الماء العام لذلك ) فهذا غلو وتجاوز ، ( وينتهي هذا إلى حد التنطع المنهي عنه ) بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « هلك المتنطعون » ( وكل متوجه إلى شيء على قصد خير لا بدّ وأن يسرف ) أي يقع في حد الإسراف ( إن لم يزمه ) أي يمنعه ( العلم المحقق ) عن كشف وبرهان ، ( وربما يقدم على ما يكون بدعة ) أحدثت ( في الدين يستضر الناس بعده بها ) ويقلدونه فيما فعله ( وهو يظن ) في نفسه ( أنه مشغول بالخير ) وليس كذلك . ( ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » ) رواه الحرث بن أبي أسامة نحوه من حديث أبي سعيد ، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب العلم . ( والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم ) في الكتاب العزيز (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) .