فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
[ الزخرف : 32 ] فإن قيل : لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال فإن ذلك غير واقع وهو معلوم ، ولا شك في أن البعض حرام وذلك البعض هو الأقل أو الأكثر فيه نظر ، وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل جلي ولكن لا بد من دليل محصل على تجويزه ليس من المصالح المرسلة ، وما ذكرتموه من التقسيمات كلها مصالح مرسلة فلا بدّ لها من شاهد معين تقاس عليه حتى يكون الدليل مقبولا بالاتفاق فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة ؟
شرح
بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا[ الزخرف : 32 ] .
( فإن قيل لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال فإن ذلك غير واقع ) في المشاهد ( وهو معلوم ولا شك في أن البعض حرام وذلك البعض هو الأقل ) بالإضافة إلى الكثير والأكثر ( أو الأكثر فيه نظر ، وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل جلي ) أي ظاهر ، ( ولكن لا بد من دليل محصل على تجويزه ) أي جعله جائزا ( ليس من المصالح المرسلة ، وما ذكرتموه من التقسيمات كلها مصالح مرسلة فلا بد لها ) من شاهد معين يقاس عليه حتى يكون الدليل مقبولا ( بالاتفاق فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة ) .
قلت وقيل هو من جملة الأدلة المقبولة . قال الأسنوي في شرح المنهاج : أعلم أن المناسب قد يعتبره الشارع وقد يلغيه وقد لا يعلم حاله ، وهذا الثالث هو المسمى بالمصالح المرسلة ويعبر عنه بالمناسب المرسل وفيه ثلاث مذاهب . أحدها : أنه غير معتبر مطلقا . قال ابن حاجب : وهو المختار ، وقال الآمدي : هو الحق الذي عليه الفقهاء . والثاني : أنه حجة مطلقا وهو مشهور عن مالك واختاره إمام الحرمين . قال ابن الحاجب : وقد نقل أيضا عن الشافعي وكذلك قال إمام الحرمين إلا أنه شرط فيه أن تكون المصالح مشبهة بالمصالح المعتبرة . والثالث : وهو رأي الغزالي واختاره المصنف أنه إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت وإلا فلا فالضرورية هي التي تكون من إحدى الضروريات الخمس وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب ، وأما القطعية فهي التي تجزم بحصول المصلحة فيها ، والكلية هي التي تكون موجبة لفائدة عامة المسلمين . ومثال ذلك ما إذا صال علينا كفار تترسوا بأسارى المسلمين وقطعنا بأنا لو امتنعنا عن الترس لصدمونا واستولوا على ديارنا وقتلوا المسلمين كافة حتى الترس ، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما من غير ذنب صدر فإن قيل : الترس والحالة هذه مصلحة مرسلة لكونه لم يعهد في الشرع جواز قتل مسلم بلا ذنب ، ولم يقم أيضا دليل على عدم جواز قتله عند اشتماله على مصلحة عامة للمسلمين لكنها مصلحة ضرورية ( 1 ) هنا بياض في الأصل .