يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام ، وأما المصدقون فكانوا يتساهلون مع أصل التصديق كما يتساهل الآن المسلمون مع أن العهد بالنبوّة أقرب ، فكانت الأموال كلها أو أكثرها أو كثير منها حراما . وعفا صلّى اللّه عليه وسلم عما سلف ولم يتعرض له وخصص أصحاب الأيدي بالأموال ومهد الشرع وما ثبت تحريمه في شرع لا ينقلب حلالا لبعثة رسول ولا ينقلب حلالا بأن يسلم الذي في يده الحرام ، فإنا لا نأخذ في الجزية من أهل الذمة ما نعرفه بعينه أنه ثمن خمر أو مال ربا فقد كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا الآن ، وأمر العرب كان أشد لعموم النهب والغارة فيهم ، فبان أن الاحتمال الرابع متعين في
شرح
بترك اعتقاد الوجوب ، ولما أورد صاحب التوضيح قوله تعالى :ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَالآية دليلا على أنهم مخاطبون بالعبادات في حق المؤاخذة في الآخرة على ما هو المتفق قال السعد : وقد نبهناك على أن محمل الوفاق ليس هو المؤاخذة في الآخرة على ترك الأعمال بل على ترك اعتقاد الوجوب ، فالآية متمسك للقائلين بالوجوب في حق المؤاخذة على ترك الأعمال أيضا ، ولهذا أجاب عنه الفريق الثاني بأن المراد لم يكن من المعتقدين فرضية الصلاة فيكون العذاب على ترك الاعتقاد ورد بأنه مجاز فلا يثبت إلا بدليل .
فإن قيل : لا حجة في الآية لجواز أن يكونوا كاذبين في إضافة العذاب إلى ترك الصلاة والزكاة ولا يجب على اللّه تكذيبهم كما في قوله تعالى :وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ[ الأنعام : 23 ]ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ[ النحل : 28 ] ونحو ذلك ، أو يكون الأخبار عن المرتدين الذين تركوا الصلاة حال ردتهم : قلنا الإجماع على أن المراد تصديقهم فيما قالوا وتحذير غيرهم ، ولو كان كذبا لما كان في الآية فائدة وترك التكذيب إنما يحسن إذا كان العقل مستقلا بكذبه كما في الآيات المذكورة ، وههنا ليس كذلك والمجرمون عام لا تخصيص له بالمرتدين اه .
( والأموال كانت في أيدي المكذبين ) لشريعته ( والمصدقين ، أما المكذبون فكانوا يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام ) لأنهم كانوا يخالفونه فيما يقول ، ( وأما المصدقون فكانوا يتساهلون ) في معاملاتهم ( مع أصل التصديق بنبوته كما يتساهل الآن المسلمون مع أن العهد بالنبوة أقرب ) ولكن لغلبة الجهل وإفراط العناد ، ( فكانت الأموال كلها أو أكثرها أو كثير منها حراما ) لعدم جريان التصريف فيها بموجب الشريعة . ( وعفا صلّى اللّه عليه وسلم عما سلف ولم يتعرض له ) بسؤال ولا بحث ، ( وخصص أصحاب الأيدي بالأموال ) التي بأيديهم ( ومهد الشرع ) ووضع أصوله ( وما ثبت تحريمه في شرع ) من الشرائع ( لا ينقلب حلالا لبعثة رسول ) من الرسل ( ولا ينقلب حلالا بأن يسلم الذي في يده الحرام ) أي بانتقاله إلى دين آخر ، ( فإنا لا نأخذ في الجزية ) وهي بالكسر اسم لما يؤخذ من أموال أهل الذمة ( ما نعرفه بعينه ) أي بذاته ( أنه ثمن خمر ) مثلا ( أو مال ربا ) أو غير ذلك من طرق الحرام ، ( فقد كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا الآن ) في الخلطة ، ( وأمر العرب ) ما عدا الطوائف المذكورة ( كان