الفتوى ، والاحتمال الخامس هو طريق الورع ، بل تمام الورع الاقتصار في المباح على قدر الحاجة وترك التوسع في الدنيا بالكلية وذلك طريق الآخرة . ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط بمصالح الخلق وفتوى الظاهر له حكم ومنهاج على حسب مقتضى المصالح وطريق الدين لا يقدر على سلوكه إلا الآحاد ، ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام وخرب العالم ، فإن ذلك طلب ملك كبير في الآخرة ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا وتركوا الحرف الدنية والصناعات الخسيسة لبطل النظام ثم يبطل ببطلانه الملك أيضا ، فالمحترفون إنما سخروا لينتظم الملك للملوك وكذلك المقبلون على الدنيا سخروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين وهو ملك الآخرة ، ولولاه لما سلم لذوي الدين أيضا دينهم فشرط سلامة الدين لهم أن يعرض الأكثرون عن طريقهم ويشتغلوا بأمور الدنيا وذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية وإليه الإشارة بقوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
شرح
أشد ) من أمرهم ( لعموم النهب والغارة فيهم ) فإنه كما ثبت في سير أحوالهم أنهم كانوا ينهبون الإبل وغيرها ويغيرون على بعضهم فيستبيحون النساء والأموال ، ( فبان ) أي ظهر ( أن الاحتمال الرابع ) الذي تقدم ( متعين في الفتوى ) الظاهرة ( والاحتمال الخامس طريق الورع ) والاحتياط ، ( بل تمام الورع ) هو ( الاقتصار في ) تناول ( المباح على قدر الحاجة ) والاضطرار ( وترك التوسع في ) أمور الدنيا بالكلية و ( ذلك هو طريق الآخرة ) لمن يسلكها ( ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط ) أي المرتبط ( بمصالح الخلق ) الدينية والدنيوية ( وفتوى الظاهر له حكم ومنهاج على حسب مقتضى المصالح ) المذكورة ( وطريق الدين ) صعب المرتقى ( لا يقدر على سلوكه إلا الآحاد ) من المنفردين ، ( ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام ) المطلوب ( وخرب العالم فإن ذلك ) أي سلوك طريق الدين ( طلب ملك كبير في الآخرة ) المشار إليه بقوله تعالى :نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً[ الإنسان : 20 ] ( ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا ) الذي هو الرئاسة على الناس ( وتركوا الحرف الدنيئة ) أي الحقيرة ( والصناعات الخسيسة بطل النظام ) فقد أقام اللّه كل إنسان فيما يسر له وبورك فيما حضر له ، ( ثم يبطل ببطلانه الملك أيضا ) ولا يستقيم ، ( فالمحترفون إنما سخروا ) لحرفهم ( ليسلم الملك للملوك وكذلك المقبلون على الدنيا ) أي على تحصيلها ( سخروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين وهو ) أي طريق الدين ( ملك الآخرة ولولاه ) أي ذلك التسخير ( لا يسلم لذوي الدين أيضا دينهم ) لافتقارهم إلى ما يتعيشون به في الجملة ، فلو لا أهل الدنيا لهلك أهل الدين ، ( فشرط سلامة الدين لهم ) أي لأهله ( أن يعرض الأكثرون عن طريقهم ) إعراضا ولو قريبا ( وليشتغلوا بأمور الدنيا ) ليكون بذلك إعانة منهم لأهل الدين . ( وكل ذلك قسمة ) إلهية ( سبقت بها المشيئة الأزلية ) من الأزل ، ( وإليه الإشارة بقوله تعالى )نَحْنُ قَسَمْنا