تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
الناس لا يملكون إلا قدر حاجتهم وهو في غاية القبح ، بل أقول : لو ورد نبي في مثل هذا الزمان لوجب عليه أن يستأنف الأمر ويمهد تفصيل أسباب الأملاك بالتراضي وسائر الطرق ويفعل ما يفعله لو وجد جميع الأموال حلالا من غير فرق ، وأعني بقولي : يجب عليه إذا كان النبي ممن بعث لمصلحة الخلق في دينهم ودنياهم إذ لا يتم الصلاح برد الكافة إلى قدر الضرورة والحاجة إليه ، فإن لم يبعث للصلاح لم يجب هذا . ونحن نجوّز أن يقدر اللّه سببا يهلك به الخلق عن آخرهم فيفوت دنياهم ويضلون في دينهم فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويميت من يشاء ويحيي من يشاء ، ولكنا نقدر الأمر جاريا على ما ألف من سنة اللّه تعالى في بعثة الأنبياء لصلاح الدين والدنيا . وما لي أقدر هذا وقد كان ما أقدره فلقد بعث اللّه نبينا صلّى اللّه عليه وسلم على فترة من الرسل ، وكان شرع عيسى عليه السلام قد مضى عليه قريب من ستمائة سنة والناس منقسمون إلى مكذبين له من اليهود وعبدة الأوثان . وإلى مصدقين له قد شاع الفسق فيهم كما شاع في زماننا الآن والكفار مخاطبون
شرح
يملكون إلا قدر حاجتهم وهو في غاية القبح ) يمجه الطبع السليم ، ( بل أقول : لو ورد نبي ) من الأنبياء ( في مثل هذا الزمان لوجب عليه أن يستأنف الأمر ) أي يأخذه آنفا ( ويمهد تفصيل أسباب الأملاك ) فيما بينهم ( بالتراضي وسائر الطرق ويفعل ما يفعله لو وجد جميع الأموال حراما من غير فرق ) كذا في غالب النسخ التي بأيدينا ، وفي بعضها حلالا من غير فرق . ( وأعني بقولي ) وفي نسخة : بقوله : ( يجب عليه إذا كان النبي ممن بعث لمصلحة الخلق في دينهم ودنياهم إذ لا تتم المصالح ) المطلوبة ( برد الكافة إلى قدر الضرورة والحاجة البتة ) وفي نسخة : إليه ( فإن لم يبعث للمصالح لم يجب عليه هذا ) وإليه الإشارة بما ورد في الخبر : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » أي أنه بعث لمصالح الدين والدنيا وإتمامهما . ( ونحن نجوز ) عقلا ( أن يقدر اللّه ) تعالى ( شيئا يهلك به الخلق عن آخرهم ) أي كلهم ( فيفوت دنياهم ويضلون في دينهم فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويميت من يشاء ويحيي من يشاء ) لا يسأل عما يفعل ، ( ولكنا نقدر الأمر جاريا على ما ألف ) وعهد ( من سنة اللّه ) عز وجل الجارية ( من بعثة الأنبياء ) عليهم السلام ( لصلاح الدين والدنيا ) وإتمام مكارم الأخلاق ، ( ومالي أقدر هذا وقد كان ما أقدره ) ووجد ( فلقد بعث نبينا صلّى اللّه عليه وسلم على ) حين ( فترة من الرسل ) وغلبة الجهل ، ( وكان شرع عيسى عليه السلام قد مضى عليه قريب من ستمائة سنة ) وذكر الزبير بن بكار في أنساب قريش فقال : وحدثني إبراهيم بن المنذر ، عن إسحاق بن عيسى ، حدثني عامر بن يساف اليمامي ، عن أيوب بن عتبة قال : كان بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم ستمائة سنة وهي الفترة . ( والناس منقسمون إلى مكذبين له من ) طائفة ( اليهود ) الخاسرين ( وعبدة الأوثان ) من المجوس أتباع زرادشت وغيرهم ( وإلى مصدقين له ) من بني إسرائيل وغيرهم