تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة تمرغها في النجاسات بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها وما كان يحترز عنها وكانوا يمشون حفاة في الطرق وبالنعال ويصلون معها ويجلسون على التراب ويمشون في الطين من غير حاجة وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يجلسون عليهما ويستنزهون منه ومتى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها ؟ ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم أو كانت تحرس عن الدواب هيهات ، فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعا فدلّ على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة أو علامة على النجاسة دالة على العين . فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الوهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه ، وهذا عند الشافعي رحمه اللّه وهو يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغير واقع إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات ويتوضؤون من
شرح
( وكانوا يركبون الدواب ) عريا ( وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة تمرغها في النجاسات ، بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة ) وقد تنشف عليها ، ( وقد تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها ) إذا كانت تحت الكف غالبا ، ( وما كانوا يحترزون من شيء من ذلك وكانوا يمشون حفاة في الطريق ) تارة ( وبالنعال ) أخرى ( ويصلون بها ) أي بالنعال كما تقدم ذلك في كتاب الطهارة ، ( ويجلسون على التراب ) من غير حائل ( ويمشون في الطين من غير ضرورة ) داعية ( و ) لا ( حاجة ) ملجئة ( وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يجلسون عليها ) لما فيهما من النجاسة ( ويستنزهون من ذلك ) أي من المشي في البول والعذرة ( ومتى تسلم الشوارع ) العامة ( من النجاسات ) الطارئة ( مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها ) . أما الكلاب فلملازمتها الشوارع غالبا ، وأما الدواب فلكثرة المارين بها وهم راكبون عليها . ( ولا ينبغي أن يظن أن الأعصار ) والأزمنة ( والأقطار ) أي جوانب الأرض ( تختلف في مثل هذا حتى يظن ، أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم ) بالمياه ( أو كانت تحرس عن الدواب ) أي عن دخولها ( هيهات ، فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعا فدلّ أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة ) بالعين ( أو ) من ( علامة على النجاسة دالة على العين . فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الوهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه ) في ظاهر القولين ، ( وهذا عند الشافعي ) رحمه اللّه تعالى ( وهو يرى أن الماء القليل ) في إناء أو غيره ( لا ينجس من غير تغير واقع ) لأحد أوصافه الثلاثة كما تقدم ذلك في كتاب الطهارة ( إذ لم تزل الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( يدخلون الحمامات ) عند فتوح الشام وبلاد العجم ( ويتوضؤون من الحياض ) المتخذة بها ( وفيها المياه