تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
سبيل الابتداء وهي أقل الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ولا تخرج إلا من دار الضرب وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم يمنعون الناس منها ويلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة ، ثم يأخذونها منهم غصبا فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد ولا ظلم وقت النيل ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف ، والربا بعيد نادر أو محال فلا يبقى إذن حلال إلا الصيد والحشيش في الصحارى الموات والمفاوز والحطب المباح ، ثم من يحصله لا يقدر على أكله فيفتقر إلى أن يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد ، فيكون قد بذل حلالا في مقابلة حرام فهذا هو أشد الطرق تخيلا . والجواب أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن النمط الذي نحن فيه والتحق بما ذكرناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب . إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات وجواز التراضي عليها وقد عارضه سبب غالب يخرجه
شرح
من غير سبق عمل ، ( وهي أقل الأموال ) تحصيلا ( فأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ) المضروبة ، والتبر استعماله قليل بالنسبة إلى الدراهم والدنانير ، ( ولا تخرج إلا من دار الضرب ) المعدة لذلك فإنه يحمل ما استخرج من تراب الفضة أو الذهب إليها ويذيبونهما في النار حتى يخلص التراب ثم يضربون عليه بالطابع ، ( وهي ) أي دار الضرب ( في أيدي الظلمة ) والمتغلبين ، ( بل المعادن ) أيضا ( في أيدي الظلمة يمنعون الناس منها ويلزمون الفقراء إخراجها ) أي إخراج ما فيها ( بالأعمال الشاقة ) ، أي المتعبة ، ( ثم يأخذونها منهم غصبا ) وعتوا ويقاصصون في الأجر ( فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد ) أو درهم واحد من وقت تحصيله إلى زماننا هذا ( بحيث لم يتطرق إليه عقد فاسد ولا ظلم ) لا ( وقت النيل ) أي اخراجه من المعدن ( ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف ، والربا بعيد نادر ) عزيز الوجود ( أو محال ، فلا يبقى إذا حلال ) محض ( إلا الصيد ) في البر والبحر ( و ) جز ( الحشيش في الصحاري والمفاوز والحطب المباح ) الذي في الجبال العادية ، ( ثم من يحصله لا يقدر على اكله بل يفتقر إلى أن يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد ، فيكون قد بذل حلالا في مقابلة حرام فهو من أشد الطرق تخييلا ) وآكدها توهيما . ( والجواب : إن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن النمط الذي نحن فيه والتحق بما وعدناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب ) فقد ذكر في القسم الرابع من تفسير الأصحاب أنه إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يعتبر ، وذكر أن برهانه سيأتي في شبهة الخلط وهو هذا الموضع ، ( فإن الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات ) الشرعية
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 527 | مرتضى الزبيدي