إليه في الورع ، والأكثرون لم يمتنعوا مع الاختلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة .
ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشرع ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل ، ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم : إن الجدة كالأم في التحريم وابن الابن كالابن ، وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن ، والربا جار فيما عدا الأشياء الستة وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم . وأما القياس فهو أنه لو فتح هذا الباب لا نسدّ باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط .
شرح
إلى المدينة ورئيسهم مسلم بن عقبة الملقب بالمسرف فحاصرهم حصارا شديدا ، ثم أنهبها ( ثلاثة أيام ) بلياليهن وأمر بالفسق والفجور والقتل وربط الناس دوابهم بالمسجد النبوي وفعلوا في تلك الأيام من المخازي ما يستحيى من ذكره ، ثم أمنهم على أنهم كلهم عبيد ليزيد عليه من اللّه ما يستحق ، وتوجه من هناك إلى مكة فحاصر ابن الزبير فلما ورد عليه الخبر بموت يزيد أخرج عنها ، ( وكان الذي يمتنع منهم عن تلك الأموال يشار إليه ) بالبنان ( في الورع ، والأكثرون لم يمتنعوا ) عن أخذها ( مع الاختلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة ) كما هو معلوم لمن طالع في تراجمهم وما وقع في أيامهم ، ( ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالحون وزعم أنه يفطن ) أي يدرك بفطنته ( من الشرع ) أي من سياقه وفحوى خطابه ( ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل ) أثرت البرودة في رأسه ، ( ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذه لجاز مخالفتهم في مسائل ) عديدة ( ولا مستند ) فيها ( لها سوى اتفاقهم ) وإجماعهم عليه ( كقولهم :
إن الجدة كالأم في التحريم ) أي تحريم النكاح ، ( وابن الابن كالابن ) أي في الإرث ، ( وشعر الخنزير وشحمه كلحمه المذكور تحريمه في القرآن ) وهو قوله تعالىحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ[ المائدة : 3 ] فالحقوا به الشعر والشحم ، ( والربا جار فيما عدا الأشياء الستة ) المذكورة في الحديث وهي : الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح . رواه الشيخان ، ( وذلك ) أي جواز مخالفتهم ( محال ، فإنهم أولى بفهم الشرع ) أي أحكامه ومعانيه ( من غيرهم ) ممن خلفهم .
( وأما القياس : فهو أنه لو فتح هذا الباب لا نسدّ باب التصرفات ) الشرعية من البيع والشراء والأخذ والعطاء وسائر المعاملات المتعارفة ، ( وخرب ) نظام ( العالم إذ الفسق يغلب على الناس ) من أهل الزمان ( ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ) الشرعية ( ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط ) أي اختلاط الأحوال .