تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
البطن عن الخبيث من ورع الصديقين ، ومن ذلك التورع من كسب حلال اكتسبه خياط بخيط في المسجد ، فإن أحمد رحمه اللّه كره جلوس الخياط في المسجد . وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر في وقت يخاف من المطر . فقال : إنما هي من أمر الآخرة وكره جلوسه فيها . وأطفأ بعضهم سراجا أسرجه غلامه من قوم يكره ما لهم وامتنع من تسجير تنور للخبز ، وقد بقي فيه جمر من خطب مكروه . وامتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشغل السلطان . فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة . والتحقيق فيه أن الورع له أوّل وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول ، وله غاية وهو ورع الصديقين ، وذلك هو
شرح
يعلم بأصله إلا بعد شربه ، ( فكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية الباطن عن الخبيث من ) جملة ( ورع الصديقين ، ومن ذلك التورع عن كسب حلال اكتسبه خياط في المسجد ، فإن أحمد ) ابن حنبل ( كره جلوس الخياط في المسجد ) ولفظ القوت : وحدثنا عن أبي بكر المروزي قال : سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يكسب بالأجر فيجلس في المسجد ، فقال : أما الخياط وأشباهه فما يعجبني إنما بني المسجد لذكر اللّه فيه وكره البيع والشراء فيه . ( وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر في وقت يخاف ) فيه ( من المطر فقال : المقابر إنما هي من أمر الآخرة ) ولفظ القوت ، قال المروزي ، قلت لأبي عبد اللّه : الرجل يعمل المغازل ويأتي المقابر فربما أصابه المطر فيدخل بعض تلك القباب فيعمل فيها . قال : المقابر إنما هي من أمر الآخرة وكره ذلك ، ( وأطفأ بعضهم سراجا ) كان ( أسرجه غلامه ) أي أوقده ( من ) نار ( قوم يكره مالهم ) أي في مالهم شبهة ، ( وامتنع ) بعضهم ( من تسجير تنور الخبز وقد بقي فيه جمر من حطب مكروه ) أي مشترى بثمن خبيث . ( وامتنع ) بعضهم ( أن يصلح شسع نعله بضوء شمع أوقد من مشعل سلطان ) وفي القوت ، قال عبد الوهاب الوراق : أن رجلا قال لأبي عبد اللّه : ما تقول في نفاطة لمن تكره ناحيته ينقطع شمعي استضيء به ؟ قال : لا . وذكر أبو عبد اللّه عثمان بن زائدة أن غلامه أخذ له نارا من قوم يكرههم وأسرج منه السراج فأطفأه ، فقال أبو عبد اللّه : النفاطة أشد ، قلت لأبي عبد اللّه : تنور سجر بحطب أكرهه فخبز فيه فجئت أنا بعد فسجرته بحطب آخر أخبز فيه . قال : لا . أليس أحمى بحطبهم وكرهه ، وحكي أن امرأة من المتعبدات من أهل القلوب سألت إبراهيم الخواص عن تغير وجدته في قلبها . فقال : تفقدي . قالت : تفقدت فما عرفت . فقال : ما تذكرين ليلة المشعل ؟ قالت : بلى . فقال هذا التغير من ذاك فذكرت أنها كانت تغزل فوق سطح لها فانقطع خيطها فمر مشعل السلطان فغزلت على ضوئه خيطا ثم أدخلته في غزلها ونسجت منه قميصا فلبسته . قال : فنزعت القميص وتصدقت بثمنه فرجع قلبها إلى ما كان تعرف . ( فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة ، والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول ) كما تقدم ، ( وله غاية وهو ورع الصديقين