فرجعت وندمت ومن هذا ما روي عن ذي النون المصري أنه كان جائعا محبوسا ، فبعثت إليه امرأة صالحة طعاما على يد السجّان فلم يأكل ثم اعتذر وقال : جاءني على طبق ظالم يعني أن القوة التي أوصلت الطعام إليّ لم تكن طيبة ، وهذه الغاية القصوى في الورع .
ومن ذلك أن بشرا رحمه اللّه كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء ، فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحا في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الاجراء وقد أعطوا الأجرة من الحرام ، ولذلك امتنع بعضهم من العنب
شرح
أوصلتك إلى هذا الموضع يجب أن تبحث من أين هي ، فرجعت وندمت ) ولفظ القوت :
فاستغفرت اللّه تعالى مما وقع في قلبي .
( ومن هذا ما روي عن ذي النون المصري ) رحمه اللّه تعالى ( أنه كان جائعا محبوسا ) أي كان حبسه بعض الأمراء بفتوى بعض العلماء لكلام بلغه عنه . ولفظ القوت أنه لما سجن لم يأكل ولم يشرب أياما ، ( فبعثت له امرأة صالحة طعاما على يد السجّان فلم يأكل منه ثم اعتذر وقال : جاءني على طبق ظالم يعني يد السجّان ) ولفظ القوت : فوجهت أخته له من المتعبدات بطعام إلى السجن وقالت له : هذا من مغزلي ومن طعامي وهو حلال لم يأكل ، فقالت له بعد ذلك ، فقال : كان الطعام من حلال إلا أنه جاء في طبق حرام فلم آكله . قالت : وكيف ذلك ؟
قال : جاء في يد السجان وهو ظالم فلذلك لم آكله اه .
( وروى أن القوة التي أوصلت الطعام إليه لم تكن طيبة ، وهذه الغاية القصوى من الورع ) ولفظ القوت : وهو حال الورعين والورع أول باب من الزهد فهو عموم الورع أول عموم الزهد وخصوصه أول خصوص الزهد .
( ومن ذلك أن بشرا ) الحافي رحمه اللّه تعالى ( كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء ) والذي في القوت أنه كان لا يشرب من النهر الذي حفره طاهر بن الحسين صاحب المأمون ، وهو الخندق المعترض في الجانب الغربي ولم يكن يمشي على الجسر ، وقال في موضع آخر عن عبد اللّه بن مقاتل قال : كتب إلينا أي « 1 » وكتب في كتابه أن بشرا كان لا يشرب بعبادان من الحياض التي اتخذها الملوك وكان يشرب من ماء البحر اه .
( فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحا في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأمراء وقد أعطيت أجورهم من الحرام ) ، ولهذا كان بعض السلف يمتنع من شرب عيون مكة أيام إقامته في الحج ويقول : هي من حفر زبيدة وكان يؤتى له الماء من آبار في الحل ، ( ولذلك امتنع بعضهم من ) أكل ( العنب الحلال ) المتحصل ( من
هامش
( 1 ) هنا بياض في الأصل .