تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
الحلال من كرم حلال ، وقال لصاحبه : أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة ، وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء ، لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء . وكان بعضهم إذا مرّ في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة ، مع أن الماء مباح ولكنه بقي محفوظا بالمصنع الذي عمل بمال حرام فكأنه انتفاع به . وامتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجّان أعظم من هذا كله ، لأن يد السجّان لا توصف بأنها حرام ، بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه ولكنه وصل إليه بقوّة اكتسبت بالغذاء الحرام ، ولذلك تقيأ الصدّيق رضي اللّه عنه من اللبن خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوّة مع أنه شربه عن جهل ، وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية
شرح
الكرم الحلال وقال لصاحبه : أفسدته إذ سقيته بماء يجري في النهر الذي حفره الظلمة . قلت : المراد بالبعض هنا هو بشر الحافي ، ففي القوت : وحدثنا أن امرأة أهدت إلى بشر بن الحرث سلة عنب فقالت هذه من ضيعة أبي فردها ، فقالت : سبحان اللّه تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وشهادتك مكتوبة في كتاب الشراء . فقال : صدقت ملك أبيك صحيح ، ولكنك أفسدت الكرم : فقالت : بما ذا ؟ فقال : سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين أبا عبد اللّه صاحب المأمون . ( وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء . وكان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملها الظلمة ) وهي مجامع الماء نحو البركة والصهريج واحدها مصنع ، ( مع إن الماء مباح ولكنه بقي محفوظ بالمصنع والمصنع عمل بمال حرام فكأنه انتفاع به ) ومن ذلك في القوت : وكان خالد القسري لما ولي مكة بعد ابن الزبير أجرى نهرا في طريق اليمن إلى مكة ، فكان طاوس ووهب بن منبه اليمانيان إذا مرا عليه لا يتركان دوابهما تشرب منه ، وقد كان سفيان التيمي ترك أكل الحنطة فقيل له في ذلك فقال : من قبل أنها تطحن على هذه الأرحاء قيل له : وما تكره من طحن الأرحاء ؟ فقال : المسلمون شركاء في الماء وهؤلاء يأخذون خروجها دون عامة الناس اه . ومن ذلك روي عن عباس الغبري عن رجل قال : كنت مع عبد الرحمن بن مهدي بعبادان وكنا نغسل أيدينا من ماء السبيل وكان هو لا يغسل يأمر غلامه فيجيء من ماء البحر اه . ( وامتناع ذي النون ) رحمه اللّه تعالى ( من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله ) في الورع ( لأن يد السجان لا توصف بأنها حرام بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه ) الطعام ، ( ولكنه وصل إليه بقوة اكتسبت بالغذاء الحرام ، فلذلك تقيّأ الصديق رضي اللّه عنه من اللبن ) الذي شربه من يد غلامه الذي كان يلي له الخراج ( خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة ) وبالغ في إخراجه حتى كادت نفسه تخرج معه ( مع أنه شربه على جهل به ) ولم