تعوّدت الشهوة المسامحة استرسلت فاقتضى خوف الفتوى الورع عن هذا كله ، فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة ، وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة .
أما الدرجة الرابعة : وهو ورع الصديقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابه معصية ولا يستعان به على معصية ولا يقصد منه في الحال والمآل قضاء وطر ، بل يتناول للّه تعالى فقط وللتقوى على عبادته واستبقاء الحياة لأجله . وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس للّه حراما امتثالا لقوله تعالى :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[ الأنعام : 91 ] وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم المنفردين للّه تعالى بالقصد ، ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه أو يستعان عليه بمعصية ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو
شرح
الشهوة المسامحة ) ولم تقمع ( استرسلت ) وجمحت فلا يمكن إذلالها إلا بصعوبة ( فاقتضى خوف التقوى الورع من هذا ) كله ، ( فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة ، وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة ) وهو معنى الحديث المتقدم : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما به بأس لما لا بأس به .
( أما الدرجة الرابعة : وهي ورع الصديقين فالحلال المطلق عندهم كل ما لا يتقدم في ) مباشرة ( أسبابه معصية ) للّه عز وجل وهي مخالفة أمر من أوامره ( ولا يستعان به على معصية ) للّه عز وجل ، ( ولا يقصد منه في الحال ) الحاضر ( والمآل ) المتوقع ( قضاء وطر ) نفساني ، ( بل ) إنما ( يتناول ) منه ( للّه ) عز وجل ( فقط وللتقوى ) والاستعانة ( على عبادته ) ومعرفته ( واستبقاء الحياة ) أي معها ( لأجله ) أي لأجل التقوى ، وإليه يشير قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » . وفي القوت قال بعضهم : الحلال ما لم يعص اللّه تعالى في أخذه ، وقال آخرون : ما لم يعص اللّه تعالى في أوله ولم ينس في آخره ، وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه . وكان سهل يقول : الحلال هو العلم ولو فتح العبد فمه إلى السماء وشرب القطر ثم تقوى بذلك على معصية أو لم يطع اللّه بذلك القوى ولم يكن ذلك حلالا . وقال بعض الموحدين : لا يكون حلالا حتى لا تشهد فيه سوى اللّه عز وجل وحده ، ومن أشرك في رزق اللّه تعالى العباد فذلك شبهة .
( وهؤلاء هم الذين يرون ) أي يعتقدون ( كل ما ليس للّه حراما ) على أنفسهم ( امتثالا لقوله تعالى ) يخاطب حبيبه صلّى اللّه عليه وسلم ( قل اللّه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) فيرون أن ما سوى اللّه باطل ولعب في خوض لا يعني ، ( وهذه رتبة الموحدين ) للّه بالتوحيد الخالص ( المتجردين عن حظوظ أنفسهم ) المتبرئين عنها بالكلية ( المنفردين للّه بالقصد ) القائمين باللّه في كل قصد ، ( ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه بمعصية أو يستعان عليه بمعصية فيتورع لا شك