النفس الاسترسال وتترك الورع ، فمن ذلك ما روي عن علي بن معبد أنه قال : كنت ساكنا في بيت بكراء فكتبت كتابا وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأترّبه وأجففه ، ثم قلت : الحائط ليس لي ، فقالت لي نفسي : وما قدر تراب من حائط ، فأخذت من التراب حاجتي ، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول : يا علي بن معبد سيعلم غدا الذي يقول :
وما قدر تراب من حائط ، ولعل معنى ذلك أنه يرى كيف يحط من منزلته ، فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين ، وليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله .
ومن ذلك ما روي أن عمر رضي اللّه عنه وصله مسك من البحرين فقال : وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين . فقالت امرأته عاتكة : أنا أجيد الوزن فسكت عنها ، ثم أعاد القول فأعادت الجواب ، فقال : لا . أحببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلا على المسلمين . وكان يوزن بين يدي
شرح
( ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجز إلى غيره وتألف النفس الاسترسال ) والتشهي ( فتترك الورع ، فمن ذلك ما روي عن علي بن معبد ) بن نوح البغدادي نزيل مصر ، ثقة ، مات سنة تسع وخمسين ومائتين ( أنه قال : كنت ساكنا في بيت بكراء فكتبت ) يوما ( كتابا وأردت أن آخذ من تراب الحائط لا تربه وأجفنه ، ثم قلت ) في نفسي : ( الحائط ليس لي ، فقالت لي نفسي ، وما قدر تراب من حائط ) واستحقرته ( فأخذت من التراب حاجتي ) من تتريب الكتب ( فلما نمت ، فإذا أنا بشخص واقف يقول : يا علي سيعلم غدا الذين يقولون : وما قدر تراب من حائط ) . قال المصنف : ( ولعل معنى ذلك أنه يرى ) غدا ( كيف تحط منزلته فإن للتقوى منزلة تفوت بفوات ورع المتقين ، وليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله ) إذا كان ذلك جائزا في ظاهر الفتوى . وفي القوت عبد الصمد بن مقاتل قال : كانوا يكتبون الكتاب ولا يتربونه من دور السبيل يرسلونه فيأخذون من طين البحر .
( ومن ذلك ما روي أن عمر ) بن الخطاب ( رضي اللّه عنه وصله مسك ) وهو طيب معروف ( من البحرين ) ناحية بالبصرة ( فقال : وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين ) بالسوية على مراتبهم ( فقالت امرأته عاتكة ) ابنة زيد بن عمرو بن نقيل . وكانت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر تحت سعيد بن زيد : ( أنا أجيد الوزن ، فقال : لا أحببت أن تضعيه في الكفة ) أي كفة الميزان ( ثم تقولين فيها ) أي في الكفة ( أثر الغبار ) من بقايا المسك ( فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلا على المسلمين ) . ولفظ القوت : عبد العزيز ابن أبي سلمة قال : حدثنا إسماعيل بن محمد قال : قدم على عمر رضي اللّه عنه مسك من البحرين فقال : واللّه لوددت أني أجد امرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أفرقه بين المسلمين ،