تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام . وقيل : إن هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وقال أبو الدرداء : إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حتى يكون حجابا بينه وبين النار ، ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة . وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة ليكون ذلك حاجزا من النار . ومن هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ، ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره وتألف
شرح
أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا[ الأعراف : 96 ] والثالثة التفرغ عما يشغل سره عن ربه وهو التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ[ آل عمران : 102 ] والمرتبة الثالثة هي المقصودة في الحديث ويجوز تنزيله على الثانية أيضا واللّه أعلم . ( وقال عمر ) بن الخطاب رضي اللّه عنه : ( كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام ) وروي مثل هذا عن أبي بكر رضي اللّه عنه قال : كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام ، ( وقال أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه فيما روى عنه عباس بن خليد : ( إن تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما فيكون حجابا بينه وبين النار ) كذا في النسخ . ولفظ القوت : يكون ذلك حجابا بينه وبين الحرام ، ( ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء ) الكل خيفة الزيادة . وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة وما يعطيه يزنه بزيادة ( حبة ليكون ذلك حاجزا من النار ) ولفظ القوت : وقد كان من سيرة القدماء وأخلاق الورعين أن لا يستوعب أحدهم كل حقه بل يترك منه شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله فيقع في الشبهة ، فإنه يقال : من استوعب الحلال حام حول الحرام ، وكانوا يستحبون أن يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزا بين الحلال والحرام ، ومنهم من كان يترك من حقه شيئا لنية أخرى لقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِقالوا : فالعدل أن تأخذ حقك وتعطي الحق ، والإحسان أن تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق وهذه طريق قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها . حدثونا عن بعضهم قال : أتيت بعض الورعين بدين له علي وكان خمسين درهما قال : ففتح يده فعددت فيها إلى تسعة وأربعين فقبض يده فقلت هذا درهم قد بقي لك من حقك فقال : قد تركته إني أكره أن استوعب حقي كله فأقع فيما ليس لي . وقد كان ابن المبارك يقول : من اتقى تسعة وتسعين شيئا ولم يتق شيئا واحدا لم يكن من المتقين ، ومر تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوابين ، ومن زهد في تسعة وتسعين شيئا ولم يزهد في شيء واحد لم يكن من الزاهدين . ( وفي هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح به فإن ذلك حلال في الفتوى ) الظاهرة ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 486 | مرتضى الزبيدي