تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
ولكن ليس في الأعيان شيء محرم نجس إلا من الحيوانات . وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ولا يسكر كالبنج ، فإن نجاسة المسكر تغليظ للزجر عنه لكونه في مظنة التشوّف ، ومهما وقع قطرة من النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه ، ولا يحرم الانتفاع به لغير الأكل ، فيجوز الاستصباح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن والحيوانات وغيرها . فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته .
شرح
بالتحريك ، والمراد بالدم غير المسفوح لأن الطبع السليم يعافه ، وليس كل حلال تطيب النفس لأكله . وقال الخطابي : الدم حرام إجماعا والمذكورات معه مكروهة لا محرمة ، وقد يجوز أن يفرق بين القرائن التي يجمعها نظم واحد بدليل يقوم على بعضها فيحكم له بخلاف حكم صواحباته اه . وردّه أبو شامة بأنه لم يرد بالدم هنا ما فهمه الخطابي ، فإن الدم المحرم بالإجماع قد انفصل من الشاة وخلت منه عروقها ، فكيف يقول الراوي كان يكره من الشاة يعني بعد ذبحها سبعا ، والسبع موجودة فيها ، وأيضا فمنصبه صلّى اللّه عليه وسلم يجل أن يوصف بأنه كره شيئا هو منصوص على تحريمه على الناس كافة ، وكان أكثرهم يكرهه قبل تحريمه ولا يقدم على أكله إلا الجفاة في شظف من العيش وجهد من القلة ، وإنما وجه هذا الحديث المنقطع الضعيف أنه كره من الشاة ما كان من أجزائها دما منعقدا مما يحل أكله لكونه دما غير مسفوح كما في خبر « أحلت لنا ميتتان ودمان » فكأنه أشار بالكراهة إلى الطحال والكبد لما ثبت أنه أكله اه . وإنما كره أكل الكليتين وهما لكل حيوان منبت ذرع الولد لقربهما من مكان البول فتعافهما النفس ، ومع ذلك يحل أكلهما ، ( بل تناول النجاسة مطلقا محرم ، ولكن ليس من الأعيان شيء نجس إلا من الحيوانات ، وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ) أو يخدر ( ولا يسكر كالبنج ) ، وتقدم عن الزركشي وغيره النقل عن الأصحاب فيه ، وتقدم أيضا كلام القرافي في إنكاره كونه مسكرا بل جعله من المفسدات ، ( فإن نجاسة المسكر ) لعينه وصفية فيه ( تغليظ للزجر عنه لكونه من مظنة الفسوق ) أي يحمله عليه ، ( ومهما وقعت قطرات من النجاسات أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه ) لتخلله في سائر أجزائه . وفي الخبر : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال « لا تأكلوه » . ( ولا يحرم الانتفاع به لغير الأكل فيجوز الاستصباح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن والحيوانات ) صرّح به الأصحاب ، وروى في الحديث المتقدم أيضا قال : « إن كان جامدا فالقوها وما حولها وكلوه وإن كان ذائبا فاستصبحوا به » وعن جماعة من علماء الكوفة : لا بأس بشحوم الميتة تدبغ بها الجلود وتطلى بها السفن ، وقد روي عنه حديث مسند وهو حجة لمن يرتفق بها فيما لا يطعم ولا يلبس إلا أن يضطر إليها فيتناول مقدار الحاجة ، وتقدم البحث في ذلك في