والخل والجبن ، فإن الاحتراز منهما غير ممكن ، فأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب . وكل ما ليس له نفس سائلة ، لا سبب في تحريمها إلا الاستقذار ، ولو لم يكن لكان لا يكره فإن وجد شخص لا يستقذره لم يلتفت إلى
شرح
وقفه لكنه في حكم المرفوع إذ لا يقال من قبيل الرأي ، ووقع لابن الرفعة في سياق هذا الحديث الحوت بدل السمك ، واعترضه الذهبي بعدم وروده ، وكأنه أراد عدم ثبوته وإلا فقد رواها ابن مردويه في تفسيره بهذه اللفظة ، وفي إسناده نكارة . والمراد بالحوت حيوان البحر الذي يؤكل وإن لم يسم سمكا وكان على غير صورته بالكلية ولو طفا خلافا لأبي حنيفة في الطافي مستدلا بما أخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث جابر ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه أي ما أنكشف عنه الماء فمات بفقدان الماء وطفا أي علا وجه الماء . وقال الطحاوي قوله تعالى :حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُعام خص منه غير الطافي من السمك بالاتفاق وبالحديث المشهور ، والطافي مختلف فيه فبقي داخلا في عموم الآية . وأما الجراد فحلال هبه مات باصطياد بقطع رأس أم غيره أم حتف أنفه ، وقد نقل النووي الإجماع على حل أكله ، واستثنى ابن العربي جراد الأندلس وقال : لا يحل أكله لضرره . وقال النووي في الروضة : وأما الميتات فكلها نجسة إلا السمك والجراد فإنهما طاهران بالإجماع ، وإلا الآدمي فإنه طاهر وإلا الجنين الذي يوجد ميتا بعد ذكاة أمه ، والصيد الذي ذكاته « 1 » فإنهما طاهران بلا خلاف اه .
ثم قال المصنف : ( وما في معناهما ) أي السمك والجراد ( ما يستحيل من الأطعمة كدود التفاح و ) دود ( الجبن ) أي المتولد فيهما فهما طاهران أيضا ( فإن الاحتراز عنهما غير ممكن ) لكثرة الوقوع ووفور الضرورة ، ( وأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم الذباب ) هو هذا الطائر المعروف من الحشرات . سئل بعضهم : لم سمي الذباب ؟ فقال : لأنه كلما ذب آب ، وتولدها من العفونات ، والعرب تجعل الذباب والفراش والنحل والزنبور والناموس والبعوض كلها من الذباب . وقال جالينوس : إنه ألوان فللإبل ذباب ، وللبقر ذباب ، وللخيل ذباب ، وأصله دود صغار تخرج من أبدانهم فتصير ذبابا وزنابير ، وذباب الناس متولد من الزبل وتكثر إذا هاجت ريح الجنوب ويخلق في تلك الساعة ، وإذا هاجت ريح الشمال خف وتلاشى وهو من ذوات الخراطيم ، ( والخنفساء ) فنعلاء حشرة معروفة وضم الفاء أكثر من فتحها وهي ممدودة فيهما وتقع على الذكر والأنثى ، وبعض العرب يقول في الذكر خنفس وزان جندب بالفتح ولا يمتنع الضم وهو القياس ، وبنو أسد يقولون خنفسة في الخنفساء كأنهم جعلوا الهاء عوضا عن الألف والجمع خنافس ، ( والعقرب ) معروف ويقال للذكر والأنثى ( وكل ما ليس له نفس سائلة ) أي دم سائل ، ( ولا سبب في تحريمها إلا الاستقذار ) أي وجدانها قذرة فلا يميل الطبع إليها ، ( ولو لم يكن ) ذلك ( لكان لا يكره وإذا وجد شخص لا يستقذرها لم يلتفت إلى خصوص طبعه )
هامش
( 1 ) هنا بياض في الأصل .