شرح
فحيث انتفت انتفى التحريم وفي أن الخمرة توجب السرور والأفراح أنشد القاضي عبد الوهاب أبياتا ونقلها القراء في قواعده :زعم المدامة شاربوها أنها * تجلي الهموم وتصرف الغمّا
صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا * إن السرور لهم بها تمّا
سلبتهم أديانهم وعقولهم * أرأيت عادم دينه مغتمّاثم قال القرافي : وبالفروق المتقدمة ظهر لك أن الحشيشة مفسدة وليست مسكرة لوجهين :
أحدهما : إنا نجد من يأكلها يشتد بكاؤه وصمته ، وأما المسكرات كالخمر فلا تكاد تجد أحدا ممن يشربها إلا وهو مسرور . وثانيهما : إنا نجد شراب الخمر تكثر عرابدهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو ، ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك ، بل هم همدة سكوت مسبتون لو أخذت قماشهم أو سيبهم لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر ، بل هم أشبه شيء بالبهائم ، فعلى هذين اعتقدنا أنها من المفسدات لا من المسكرات ، فلا يجب فيها الحد ولا تبطل بها الصلاة بل يجب فيها التعزير والزجر عن ملابستها ، فتنفرد المسكرات عن المفسدات والمرقدات بثلاثة أحكام : الحد والتنجيس وتحريم اليسير . وأما المرقدات والمفسدات فلا حد فيها ولا نجاسة ، فمن صلى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعا ، ويجوز تناول اليسير منها فمن تناول حبة من الأفيون أو البنج أو السيكران جازما لم يكن ذلك قدرا يصل إلى التأثير في العقل والحواس أما دون ذلك فجائز اه نص القرافي في القواعد .
وقال غيره : وأما ما يفطر العقل فلا خلاف في تحريم القدر المفطر من كل شيء وما لا يفطر من المسكر كما يفطر لقوله عليه الصلاة والسلام « ما أسكر كثيره فقليله حرام » وإنما نصوا فيما وقفنا عليه على حلية اليسير فقط منها دون ما بلغ بصاحبه غيبوبة فيحرم بلا خلاف وعلى الاطلاق . وفي بعض كتب الشافعية . وأما الحشيشة ، وتسمى القنب الهندية القلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا علماء السلف ، فإنها لم تكن في زمانهم . وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة والسابعة واختلف فيها هل هي مسكرة فيجب فيها الحد أو مفسدة للعقل فيجب التعزير ؟ والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة ، وبه جزم الفقهاء ، وصرح به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف ، والنووي في شرح المهذب ولا يعرف فيه خلاف عند الشافعية . قال الزركشي : ولم أر من خالف في هذا إلا القرافي في قواعده ، فقال : قال بعض العلماء : بالنبات في كتبهم أنها مسكرة والذي يظهر أنها مفسدة وقد تظافرت الأدلة على حرمتها ففي صحيح مسلم « كل مسكر حرام » وقال تعالىوَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ[ الأعراف : 157 ] وأي خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها . وقال النووي في شرح المهذب : يجوز منها اليسير الذي لا يسكر بخلاف الخمر ، والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز قليله للنجاسة ، ورده