وأما النبات ؛ فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل أو يزيل الحياة أو الصحة ، فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ، ومزيل الحياة السموم ، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها . وكان مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات ، فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة ، وأما السم فإذا خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم .
شرح
( وأما النبات ) : وهو ما يخرج من الأرض من النابتات سواء كان له ساق كالشجر أم لا كالنجم ، لكن خص عرفا بما لا ساق له ، ( فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل ) أي يغطيه أو يفسده ( أو يزيل الحياة ) أي يذهبها ( أو ) يزيل ( الصحة ) وقد نص الطبري وابن جزء في تفسيريهما عند قوله تعالىهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً[ البقرة : 29 ] أي نبات الأرض محمول على الإباحة حتى يرد دليل على التحريم وقيده غيرهما بما لم يكن فيه ضرر على البدن كالدفلي فإنه قتال وأكل الحرمل مدقوقا فإنه قتال ، وقيده المصنف بما يزيل أحد الثلاثة ثم فسره فقال : ( فمزيل العقل البنج ) مثال فلس هو نبات له حب يخلط العقل ويورث الخبال ، وربما أسكر إذا شربه الإنسان بعد ذوبه ، ويقال : إنه يورث السبات ( والخمر ) وهو اسم لكل ما خامر العقل ( وسائر المسكرات ) وفي الفروق للقرافي من قواعده المسكرات والمرقدات مما تلتبس حقائقهما على كثير من الفقهاء ، والفرق بينهما أن التناول منها إما أن تغيب منه الحواس أولا ، فإن غابت منه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد ، وإن لم تغب معه الحواس فلا يخلو من أن يحدث معه نشوة وسرور عند المتناول له أم لا . فإن حدث ذلك فهو المسكر وإلا فهو المفسد ، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر والمزرة وهو المعمول من القمح والبتع وهو المعمول من العسل ، والسكركة وهو المعمول من الذرة والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج والسكران اه .
وهذا الفرق الذي ذكره هو المعمول به عند المالكية ، وقد أقره ابن الشاط السبتي وأصحاب ابن عرفة ، وهو لا يخالف قواعد الشافعية في الغالب ، وأما الحنفية فلهم كلام يتعلق بالمزرة والبتع والسكركة ففيه تفصيل آخر أوردته في الجواهر المنيفة . ( ومزيل الحياة السموم ) بأنواعها ، ( ومزيل الصحة الأدوية ) مفردة أو مركبة أي استعمالها ( في غير وقتها ) كاستعمال الحارة في الصيف والباردة في الشتاء ، ( وكل مجموع هذا يرجع إلى ) معنى واحد وهو ( الضرر ) سواء كان حاصلا في الوقت أو متوقعا في المآل ، ( فإن الذي يسكر منها حرام مع قلته ) لأن حرمته ( لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة ) ويعبر عنها بالنشوة . ( وأما السم ، فإذا ) فرض أنه ( خرج عن كونه مضرا ) إما ( لقلته ) فإن من السموم ما إذا تنوول قليله لا يؤثر ( أو لعجنه بغيره ) فيضمحل تأثيره بالكلية ( فلا يحرم ) فالعلة دائرة في غير المسكرات مع الضرر ،