له : من أين تأكل ؟ فقال : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك . وقال : يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات .
شرح
الورعين ) يسأل عن الحلال فيعززه ، ( فقيل له : من أين تأكل ) يا أبا نصر ؟ ( فقال ) : من ( حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل و ) هو ( يبكي كمن يأكل و ) هو ( يضحك .
وقال ) مرة في رواية أخرى عنه : ولكن ( يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ) نقله صاحب القوت ، ( فهكذا كانوا يتحرزون عن الشبهات رضي اللّه عنهم ) وقد بقي هنا مما يتعلق بالباب بعض ما لم يذكره المصنف وهو مذكور في القوت .
فمن ذلك قال شعيب بن حرب : لا تحقر دانقا من حلال تكسبه تنفقه على نفسك وعيالك وعلى أخ من إخوانك ، فلعله لا يصل إلى جوفك أو جوف غيرك حتى يغفر لك ، ويقال : من أكل حلالا وعمل في سنة فهو من أبدال هذه الأمة . وقال يوسف بن أسباط لشعيب بن حرب : أشعرت أن الصلاة جماعة سنة وإن كسب الحلال فريضة . قال : نعم . وقد كان إبراهيم بن أدهم يعمل هو وإخوانه في الحصاد في شهر رمضان ، وكان يقول لهم : انصحوا في عملكم بالنهار حتى تأكلوا حلالا ولا تصلوا بالليل فإن لكم ثواب الصلاة في جماعة وأجر المصلين بالليل . وقال بعض السلف :
أفضل الأشياء ثلاثة : عمل في سنة ، ودرهم من حلال ، وصلاة في جماعة . وقال سهل : من لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عنه وما يبالي بصلاته وصيامه إلا أن يعفو اللّه عنه . وقال : إنما حرموا مشاهدة الملكوت وحجبوا عن الوصول بشيئين : سوء الطعمة ، وبذاء الخلق . وقال مرة بالدعوى ، وكان يقول : بعد الثلاثمائة سنة لا تصح التوبة لأحد . قيل :
ولم ؟ قال : يفسد الخبز وهم لا يصبرون عنه . وقال بعض العلماء : الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة . وقال جماعة من السلف : الجهاد عشرة أجزاء : تسعة في طلب الحال . وقال علي بن الفضيل لأبيه : يا أبت إن الحلال قليل وعزيز ، فقال : يا بني وإن عز فإن قليله عند اللّه كثير . وقال ابن المبارك : من صلى وفي بطنه طعام من حرام أو على ظهره سلك من حرام لم تقبل صلاته . وقال يوسف بن أسباط ، وسفيان الثوري : لا طاعة للوالدين في الشبهة . وقال أبو سليمان الداراني وغيره ، من العلماء : لا يفلح من استحيا من طلب الحلال . وفي لفظ آخر : من أنف من كسب الحلال . وفي وجه التفسير في قوله تعالى :فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً[ طه : 124 ] قيل : هو أكل الحرام كما قيل في قوله تعالى :فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً[ النحل : 97 ] قيل : أكل الحلال ورزقه . وكان بشر إذا ذكر الإمام أحمد يقول : قد فضل عليّ بثلاث ، وذكر أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره وأنا أطلبه لنفسي .