تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء من علم اليقين ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا فقال له الرجل : فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة ، فقال له البدل :
هذه الشربة التي رأيتني شربتها من الليل أحب إليّ من ثلاثين ختمة في ثلاثمائة ركعة من أعمالك ، وكانت شربته من لبن ظبية وحشية . وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة ، فهجره أحمد إذ سمعه يقول : إني لا أسأل أحدا شيئا ، ولو أعطاني السلطان شيئا لأكلته ، حتى اعتذر يحيى وقال : كنت أمزح ، فقال : تمزح بالدين ، أما علمت أن الأكل من الدين قدمه اللّه تعالى على العمل الصالح ؟ فقال :
كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً
[ المؤمنون : 51 ] وفي الخبر : أنه مكتوب في التوراة : « من لم يبال من أين مطعمه لم يبال اللّه من أي أبواب النيران أدخله » . وعن علي رضي اللّه عنه أنه
شرح
( من علم اليقين ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا ) في كلام طويل ( فقال له الرجل ) في آخره : ( فإني أصوم الدهر واختم القرآن في كل شهر ثلاثين ختمة ، فقال له البدل : هذه الشربة ) من اللبن ( التي رأيتني ) قد ( شربتها من الليل أحب إليّ من ثلاثين ختمة في ثلاثمائة ركعة ) ولفظ القوت في ثلاثين ركعة ( من أعمالك ، وكانت شربة لبن من ظبية وحشية ) ولفظ القوت : وكانت شربة لبن أروى وحشية وهي الأنثى من الوعل . وقال بعض السائحين : قلت لبعض الأبدال وقد حدثته عن أكل الحلال بمثل هذا الحديث : أنتم تقدرون على الحلال فلم لا تطعمونا منه ولأخوانكم من المسلمين ؟ فقال : لا يصلح لجملة الخلق ولم نؤمر بذلك لأنهم لو أكلوا كلهم حلالا لبطلت المملكة وتعطلت الأسواق وخربت الأمصار ، ولكنه قليل في قليل وخصوص في خصوص أو معنى هذا الكلام .
( وقد كان بين ) الإمامين أبي عبد اللّه ( أحمد بن حنبل ويحي بن معين ) بن عون أبي زكريا البغدادي ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل روى له الجماعة ( صحبة طويلة ، فهجره أحمد إذ سمعه يقول ) ولفظ القوت : وكان يحي بن معين قد صحب أحمد بن حنبل في السفر سنين ولم يأكل معه لأجل كلمة بلغته ، وهو أنه قال : ( إني لا أسأل أحدا شيئا ولو أعطاني السلطان شيئا لأكلته ) وفي رواية : لو حمل إليّ السلطان شيئا لأخذته ، فهجره أحمد ( حتى اعتذر ) إليه ( يحيى وقال ) : أنا ( كنت أمزح قال : تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الدين قدمه اللّه ) عز وجل ( على العمل الصالح ) ، فقال : (كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً) هكذا هو في القوت وتقدم بعضه في أول كتاب الكسب .
( وفي الخبر : أنه مكتوب في التوراة « من لم يبال من أين مطعمه لم يبال اللّه من أي أبواب النار أدخله » ) كذا في القوت ، وتقدم قريبا وأشرت هناك أنه هكذا في التوراة .
( و ) روي ( عن علي رضي اللّه عنه أنه لم يأكل بعد قتل عثمان رضي اللّه عنه ونهب الدار