تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال : أداء الفرائض بالسنة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي من الظاهر والباطن ، والصبر على ذلك إلى الموت . وقال : من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلّا حلالا ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة ، ويقال : من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه ، وهو تأويل قوله تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] ، وقال ابن المبارك : ردّ درهم من شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف ، حتى بلغ إلى ستمائة ألف . وقال بعض السلف : إن العبد يأكل أكلة فينقلب قلبه ، فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبدا . وقال سهل رضي اللّه عنه : من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى ، علم أو لم يعلم . ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات ، وقال بعض السلف : إن أوّل لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من
شرح
( التستري ) رحمه اللّه تعالى : ( لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال ) ، ولفظ القوت هذه الأربع : ( أداء الفرائض بالسنّة ) أي كما شرعت وسنت ، ( وأكل الحلال بالورع ) أي باستعماله فيه ، ( واجتناب النهي من الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى الممات ) أي فمن استكمل هذه الأربع فقد تشرف بحقيقة الإيمان وبلغ درجتها . ( وقال ) سهل أيضا ( من أحب أن ) يرى خوف اللّه في قلبه و ( يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا في سنّة ) أو ضرورة . نقله صاحب القوت . وقال بعض العلماء : الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة ، ويقال : إن اللّه عز وجل لا يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته ويرضي عمله . ( ويقال : من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه ) قال صاحب القوت . ( وهو ) في ( تأويل قوله تعالىكَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) قيل : غلاف القلب من مكاسب الحرام . ( وقال ابن المبارك ) عبد اللّه رحمه اللّه تعالى ( ردّ درهم ) من ( شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ) درهم ( حتى بلغ ) ولفظ القوت : حتى يبلغ ( ستمائة ألف ) ، ومثله قول مالك بن دينار : ترك درهم حرام أحب إلى اللّه تعالى من أن يتصدق بمائة ألف . ( وقال بعض السلف : إن العبد ليأكل أكلة فينقلب ) بها ( قلبه ) أي يتغير عما كان عليه ، ( فينغل ) أي ينسد ( كما ينغل الأديم ) وهو الجلد قبل أن يدبغ ( فلا يعود إلى حاله أبدا ) وهذا أحسن التأويلين في قوله صلّى اللّه عليه وسلم « كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش » قيل : هو الذي يصوم ويفطر على حرام . ( وقال سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى : ( من أكل الحرام عصت ) عليه ( جوارحه ) أي عن الطاعات ( شاء أم أبى ، علم أو لم يعلم . ومن أكل طعمته حلالا أطاعت جوارحه ووفقت ) ولفظ القوت : ووفق ( للخيرات ، وقال بعض السلف : إن أوّل لقمة يأكلها العبد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 459 | مرتضى الزبيدي