تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الجنة ليكون باعثا على عبادة اللّه ، فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة ثم إلى التعبية الإلهية كيف عبيت تحت شهوة واحدة حياتين حياة ظاهرة وحياة باطنة ، فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود ، والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية ، فإن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام ، فيستحب على العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها تيسر المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان ، وما من ذرة من ذرات بدن الإنسان باطنا وظاهرا بل من ذرات ملكوت السماوات والأرض إلا وتحتها من لطائف الحكمة وعجائبها ما يحار العقول فيها ، ولكن إنما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفائها وبقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها
شرح
الجنان . ( فإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثا على عبادة اللّه تعالى ) ، وهذه دقيقة يتفطن لها . ( فانظر إلى الحكمة ) اللطيفة أولا ، ( ثم إلى الرحمة من اللّه لخلقه في باطن تلك الحكمة ، ( ثم إلى التعبئة ) الإلهية ( حيث عبئت ) أي رتبت وأصله من تعبية الجيش والمتاع ( تحت شهوة واحدة حياتان حياة ظاهرة وحياة باطنة ، فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود ) ، ولذا قال حكيم العرب : من لم يلد فكأنه ما ولد فمن لم يكن له نسل فبماذا يسلو . ( والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية فإن هذه اللذة الناقصة ) المنصرمة ( بسرعة الإنصرام ) أي الانقطاع ( تحرك الرغبة ) والشوق ( في ) اللذة ( الكاملة ) الموعود بها ( بلذة الدوام ) من غير انصرام ، ( فتستحث على العبادة الموصلة إليها ) إلى تلك اللذة الباقية ( فيستعد العبد بشدة الرغبة فيها ويستلذ بتيسير المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان ) ولذاتها الباقية أبد الآباد . ( وما من ذرة من ذرات الإنسان ظاهرا وباطنا بل من ذرات ملكوت السماوات والأرضين إلا وتحتها من لطائف الحكمة وعجائبها ما تحار العقول فيها ) ، وهذا المعنى الذي أشار إليه الشيخ في الخطبة بقوله : لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعته مجرى ، ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا وآلهة حيري ، وإليه الإشارة أيضا بقول القائل :وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد( ولكن إنما ينكشف ) ذلك ( للقلوب الطاهرة من كدرات الظلمة الطبيعية ( بقدر صفائها ) وانجلائها ( وبقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها وإغوائها ) ، وأرباب هذه القلوب هم أهل المكاشفة والمشاهدة المتخلقون بأخلاق اللّه تعالى تتضح لهم حقائق تلك الذرات بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ ما يجري في الوضوح مجرى اليقين الذي يدرك بمشاهدة الباطن لا بإحساس الظاهر ، وأما من لم يكن له حظ في معانيها إلا معرفة أسمائها الظاهرة وفهم معانيها اللغوية ولم يعد عن ذلك فهو منحوس الحظ نازل الدرجة ليس يحسن به أن يتبجّح بما ناله ، ويترقى أرباب هذه المراتب إلى مقام ينبعث من فهم تلك المعاني شوقهم إلى الاتصاف بما يمكن الاتصاف به حسبما يعطيه مقامه وهم أهل الحظوظ من المقربين .