حجاما أو كناسا لما فيه من مخامرة النجاسة ، وكذا الدباغ وما في معناه ، وكره ابن سيرين الدلالة ، وكره قتادة أجرة الدلّال ، ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال عن الكذب والافراط في الثناء على السلعة لترويجها ، ولأن العمل فيه لا يتقدر فقد يقل وقد يكثر ، ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب هذا هو العادة وهو ظلم ، بل ينبغي أن ينظر إلى قدر التعب وكرهوا شراء الحيوان للتجارة ، لأن المشتري يكره قضاء اللّه فيه وهو الموت الذي بصدده لا محالة وخلق له . وقيل : بع الحيوان واشتر
شرح
الطعام وبيع الأكفان ، ( ويكره أن يكون جزارا لما فيه من قساوة القلب ) ، وهذا أيضا قد تقدم في وصية بعض التابعين ، ولا تسلمه في صنعتين أن يكون جزارا فإنها صنعة تقسي القلب ، أو صواغا فإنه يزخرف الدنيا بالفضة والذهب ، ( وأن يكون حجاما ) وهو الذي يأخذ الدم بالمشارط ، ( أو كناسا ) وهو الذي يكنس الزبالات بالأجرة ( لما فيه ) أي في كل منهما ( من مخامرة النجاسة ) . أما للحجام : فظاهر فإنه يمصه بفمه مصا ويمسحه بيده فلا يخلو من مخامرته .
وأما الكناس ، فإنه ربما تقع يده في النجاسات وينتشر منها على جسده وهو لا يدري ، ( وكذا الدبّاغ ) الذي يدبغ الجلود ( وما في معناه ) فهذه كلها صنائع خسيسة .
( وكره ) محمد ( بن سيرين ) التابعي المشهور ( الدلالة ) أي صنعتها وهو أن يكون سفيرا بين البيعين ، ( وكره ) أبو الخاطب ( قتادة ) بن دعامة بن قتادة البصري ثقة ثبت ( أجرة الدلالة ) والذي في نسخ القوت : وروى عثمان الشحام عن ابن سيرين أنه كره أجرة الدلالة .
قلت : وعثمان الشحام هو أبو سلمة العدوي البصري يقال اسم أبيه ميمون أو عبد اللّه لا بأس به ، روى له مسلم ، وأبو داود ، والترمذي والنسائي .
( ولعل السبب في ذلك قلة استغناء الدلال عن الكذب ) في مقالته ، ولذا قيل : رأس مال الدلال الكذب . ( والإفراط في الثناء على السلعة لترويجها ) في عين المشتري ، ( ولأن العمل فيها لا يتقدر ) أي ليس له مقدار معلوم ، ( فقد يقل وقد يكثر ، ولا ينظر في مقدار الأجرة ولا إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب وهذه هي العادة ) بين الناس ( وهو ظلم ، بل ينبغي أن ينظر إلى قدر التعب ) وتكون الأجرة على قدره ، ( وكرهوا ) أيضا ( شراء الحيوان للتجارة ) والمراد به هنا ذو الروح ، ( لأن المشتري يكره قضاء اللّه ) المحتوم ( فيه ، وهو الموت الذي هو بصدده لا محالة وخلق له ) كما قال الشاعر :لدوا للموت وابنوا للخرابواستحبوا شراء الموات ما لا روح فيه لأجل ذلك .
( وقيل ) : ولفظ القوت : وكانت العرب تقول : ( بع الحيوان واشتر الموتان ) كأنهم كرهوا