للحساب : أحدهما ترجمته مجهولة فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة فيشتهيه فيقول : أحتاج إلى خمسة أرطال مثلا من هذا وليس معي ثمنه ، فكان يقول : خذه واقض ثمنه عند الميسرة ولم يكن يعد هذا من الخيار بل عد من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلا ولا يجعله دينا لكن يقول : خذ ما تريد فإن يسر لك فاقض وإلّا فأنت في حل منه وسعة . فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست والقائم به محيي لهذه السنّة . وبالجملة ؛ التجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه ولذلك قيل :
لا يغرنك من المر * ء قميص رقعه
شرح
كان في السلف الصالح من له ) ولفظ القوت : وقد كان من سيرة السوقة فيما سلف أنه كان للبائع ( دفتران للحساب ) والدفتر وبالفتح جريدة الحساب وكسر الدال لغة حكاها الفراء ، وقال : هو عربي ، وقال ابن دريد : ولا يعرف له اشتقاق ، وبعض العرب يقول تفتر على البدل . ( أحدهما :
ترجمته مجهولة فيه أسماء من لا يعرف من الضعفاء والفقراء ، وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة ) ولفظ القوت : وذلك أن المسكين والضعيف كان يرى المأكول ( فيشتهيه ) أو يحتاج إليه ولا يمكنه أن يشتريه ( فيقول له ) أي للبائع : ( أحتاج إلى خمسة أرطال من هذا مثلا ) أو عشرة ( وليس معه شيء ) ولفظ القوت : وليس معي ثمنه ، ( فيقول له : خذ ما تريد واقض الثمن إذا أيسرت ) أي وجدت ما توفيه ، ولفظ القوت : فيقول خذ إلى مسيرة فإذا رزقت فاقضني ويكتب اسمه في الدفتر المجهول ، ( ولم يكن يعد ) من يفعل ( هذا من الخيار ) أي من خيار المسلمين ، ( بل عد من الخيار ) ولفظ القوت : بل كان من الباعة ( من لم يكتب اسمه في الدفتر أصلا ولا يجعله دينا ) حتما عليه ولا مظلمة عنده ، ( لكن يقول : خذ ) حاجتك من ( ما تريد فإن يسر لك فاقض وإلا ) إن لم تجد ( فأنت في حل منه وسعة ) لا تضيق قلبك لذلك . ( فهذه طرق تجارات السلف ، وقد اندرست ) الآن معالمها ( والقائم بهذا عزيز ) لا يكاد يوجد ( لأنه يحيي سنة ) ويقيمها ويميت بدعة ويمحيها ، ولفظ القوت : وهذا طريق مات فمن قام به فقد أحياه ، وكان مثل هؤلاء في المتقدمين أكثر من أن يسعهم كتاب ، وكان من ينصح دقائق النصح ويشدد على نفسه غاية التشديد ويسمح لإخوانه نهاية الجود أكثر من ذلك ، وإنما ذكرنا لتنبيه الغافلين على أعمالهم ، ونكشف بعض ما عفا من آثارهم ، ولم يكن هؤلاء المذكورون من السوقة من خيار الناس عندهم إنما كان الأخيار المسجدية العباد والنساك المنقطعون إلى اللّه عز وجل الزهاد .
( وبالجملة ؛ التجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه ) وزهده في الدنيا وإيثاره الآخرة ، ( ولذلك قيل ) فيما مضى في مناسبة هذا المقام :
( لا يغرنك ) أي لا يوقعك في الغرور ( من المرء ) ظاهر أحواله وملابسه من ذلك