تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
[ المطففين : 1 ، 2 ] الآيات . فإن تحريم ذلك في المكيل ليس لكونه مكيلا ، بل لكونه أمرا مقصودا ترك العدل والنصفة فيه ، فهو جار في جميع الأعمال ، فصاحب الميزان في خطر الويل وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته ، فالويل له إن عدل عن العدل ومال عن الاستقامة ، ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ مريم : 71 ] فلا ينفك عبد ليس معصوما عن الميل عن الاستقامة إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتا عظيما ، فلذلك تتفاوت مدة مقامهم في النار إلى أوان الخلاص حتى لا يبقى بعضهم إلا بقدر تحلة القسم ،
شرح
بِالْقِسْطِيعني العدل وهو استواء اللسان في البكرة لا مائلا إلى احدى الكفتين ، وفي قراءة عبد اللّهوَأَقِيمُوا الْوَزْنَباللسان فهذا مفسر في هذا الحرف . ( وبالجملة كل من ينتصف لنفسه من غيره ) في كل شيء ( ولو في كلمة ولا ينصف ) لغيره ( بمثل ما ينتصف ) لنفسه ، ( فهو داخل تحت قوله تعالى :وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) وهذا على سبيل التجوّز وعليه يخرج قول الحريري :وكلت للخل كما كال لي * على وفاء الكيل أو بخسه( فإن تحريم ذلك في المكيال ليس لكونه مكيلا بل لكونه أمرا مقصودا ) بذاته ( ترك العدل والنصفة ) فيه وهو بالتحريك اسم من الانتصاف ، ( فهو جار ) حكمه ( في جميع الأعمال ) القلبية واللسانية ، ( فصاحب الميزان في خطر الويل ) إن لم يعدل فيه ( وكل مكلف ) توجه إليه الخطاب ( فهو صاحب موازين في أفعاله ) وهي أعمال الجوارح ( وأقواله ) وهي أعمال اللسان وحده ، ( وخطراته ) وهي أعمال القلب ، ( والويل له ان عدل ) أي مال ( عن ) طريق ( العدل ومال عن ) حد ( الاستقامة ) وهو الوفاء بكل العهود برعاية خط الوسط في كل أمر ديني ودنيوي ، ( ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى ) في كتابه العزيزوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّاقال البيضاوي : أي ما منكم إلا وأصلها حاضر دونها يمر به المؤمن وهي خامدة وتنهار بغيرهم كان ورودهم واجبا أوجبه اللّه على نفسه وقضى بأن وعد به وعدا لا يمكن تخلفه ، وقيل : أقسم عليه ، ( فلا ينفك عبد ليس معصوما ) أي محفوظا ( عن الميل من الاستقامة ) أي لزوم الصراط المستقيم ، ( إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتا عظيما ، فلذلك تتفاوت مدة مقامهم في النار ) وهذا يؤيد قول من قال : إن الورود هنا بمعنى الدخول ، ( أو أن الخلاص ) منها ( حتى لا يبقى بعضهم ) فيها ( إلا بقدر تحلة القسم ) في المصباح : حللت اليمين إذا فعلت ما يخرج عن الحنث فانحلت هي وحللتها بالتثقيل ، والاسم التحلة بفتح التاء وفعلته تحلة القسم أي بقدر ما ينحل اليمين ولم أبالغ فيه ثم كثر هذا حتى قيل لكل شيء لم يبالغ فيه تحليل ، وقيل : تحلة القسم هو جعلها حلالا إما باستثناء أو
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 387 | مرتضى الزبيدي