تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
ثم يقنع في بيعه بربح يسير ، فيبارك اللّه له فيه ولا يحتاج إلى تلبيس وإنما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير ، وليس يسلم الكثير إلا بتلبيس ، فمن تعوّد هذا لم يشتر المعيب فإن وقع في يده معيب نادرا فليذكره وليقنع بقيمته . باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري : أبرأ إليك من عيب فيها انها تقلب العلف برجلها ، وباع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري : انها تنخمت مرة عندنا دما ، فهكذا كانت سيرة أهل الدين فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة .
شرح
باعه ( يقنع في بيعه بربح يسير ) أي قليل ( فيبارك اللّه عز وجل له ) في ذلك الربح ، ( ولا يحتاج إلى تلبيس ) أي تخليط ( وإنما تعذر هذا ) في الغالب ( بأنهم لا يكتفون ) في المبيع ( بالربح اليسير وليس يسلم الكثير إلا بتلبيسه ، فمن تعوّد هذا لم يشتر المعيب ) أبدا ، ( فإن وقع في يده معيب نادرا ) أي مرة من الدهر ، ( فليذكره ) للمشتري ( وليقنع بقيمته ) اليسيرة ففيها البركة . وفي القوت : ينبغي للبائع والصانع أن يظهرا من المبيع والمصنوع أردأ ما فيه وأرذله ، ولينشر شر الطرفين ليقف المشتري والصانع على حقيقته ، ويكونان على بصيرة من باطنه . ( باع ابن سيرين ) هو محمد تقدمت ترجمته ( شاة ) له ( فقال للمشتري : أبرأ إليك من عيب فيها ) وهو ( أنها تقلب العلف برجلها ) هكذا هو في القوت ، وأورده صاحب القوت في ترجمة يونس بن عبيد بسنده إلى الأصمعي قال : حدثنا سكن صاحب الفتح قال : جاز يونس بن عبيد بشاة فقال : بعها وأبرأ من أنها تقلب العلف وتنزع الوتد ولا تبرأ بعد ما تبيع ، ولكن أبرأ وبيّن قبل أن يقع البيع . ( وباع الحسن بن صالح ) بن مسلم بن حي الهمداني الثوري أبو عبد اللّه الكوفي العابد ثقة في الحديث والورع ، ولد سنة مائة ، ومات سنة تسع وستين ومائة ذكره البخاري في كتاب الشهادات من الجامع ، وروى له الباقون ( جارية ) له ( فقال للمشتري : إنها تنخمت مرة عندنا دما ) أي أخرجت دما في نخامتها عندما تنخمت هكذا هو في القوت ، وأورده أبو نعيم في الحلية ، ( فهكذا كانت سيرة أهل الدين ) وأهل الورع من المتقين ، ( فمن لا يقدر على هذا فليترك المعاملة ) مع الخلق ، ( أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة ) إن عاملهم بالغش . ولفظ القوت بعد حكاية ابن سيرين والحسن بن صالح ما نصه : ودقائق الاعلام والبيان في ذلك مما لا يعلمه المشتري أو المستعمل هو من النصح والصدق ، وذلك يكون عن الورع والتقوى في البياعات والإجارات ، ويكون الكسب عن ذلك أحلى وأطيب فليجتنب المسلم محرم ذلك كله ومكروهه ، فهذه سيرة السلف وطريقة صالح الخلف .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 383 | مرتضى الزبيدي