لنفسه ، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات ، بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم ، وهذا أمر يشق على أكثر الخلق ، فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس ، لأن القيام بحقوق اللّه مع المخالطة والمعاملة مجاهدة لا يقوم بها إلا الصديقون ، ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين .
أحدهما : أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه اللّه دفعة واحدة ، فقد حكي أن واحدا كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيعه ، فجاء سيل فغرق البقرة ، فقال بعض أولاده : إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة . كيف وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما ، وإذا كتما وكذبا نزعت
شرح
يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ) في كل شيء ، ( ولم يعتقدوا ذلك من الفضائل ) الزائدة ( وزيادة المقامات ) التي يحصل بها الترقي إلى الدرجات ، ( بل اعتقدوا أنه ) أي النصح بالمعنى المذكور ( من شروط الإسلام ) وواجبات الدين ( الداخلة تحت بيعتهم ، وهذا أمر يشق ) ويتعذر ( على أكثر الخلق ) وقد جعله من واجبات الدين في قوله « إنما النصيحة ثلاثا » ثم سوى بين طبقات الناس فيه فقال : « للّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » . ( فلذلك ) أي لتعذره على أكثر الناس ( يختارون التخلي ) والانزواء ( للعبادة ) والاشتغال باللّه ، ( و ) يختارون ( الاعتزال عن الناس ) لئلا يشوش عليه الحال ( لأن القيام بحقوق اللّه تعالى مع المخالطة ) مع الناس ( والمعاملة ) معهم ( مجاهدة ) شديدة ( لا يقوم بها إلا الصديقون ) فهم الذين يعطون كل ذي حق حقه ، ( ولن يتيسر ذلك ) المقام ( على العبد إلا بأن يعتقد أمرين ) أي يوطن نفسه عليهما .
( أحدهما : أن تلبيسه العيوب ) وتخليطها وإخفاءها ( وترويجه السلعة ) في عين المشترين ( لا يزيد في رزقه ) الذي قدر له ، ( بل يمحقه ويذهب ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات ) في أزمنة متعددة على سلع مختلفة ( يهلكه اللّه دفعة واحدة ) وقد وقع ذلك كثيرا ، ( فقد حكي أن رجلا كان له بقرة ) تطلق على الذكر والأنثى ، والمراد هنا الأنثى بدليل قوله ( يحلبها ) في الماعون ، ( و ) كان ( يخلط بلبنها الماء ) بأن كان يجعل الماء في الماعون ثم يحلب عليه اللبن ، ( ويبيع فجاء سيل ) عظيم ( فغرق البقرة ، فقال بعض أولاده : إن تلك المياه المغرقة التي صببناها في اللبن ) فيما مضى ( اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة ) وهذا فيه مبالغة وفي أثنائها زجر شديد لمن يستعمل التلبيس في بياعاته ، ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « البيعان ) تثنية بيع فيعل من باع بمعنى اشترى كلين من لان ، واتفق أهل اللغة على أن باع واشترى من الألفاظ المشتركة وتسمى حروف الأضداد ( إذا صدقا ) أي صدق كل منهما فيما يتعلق به من ثمن ومثمن وصفة مبيع وغير ذلك ، ( ونصحا ) فيما يحتاج إلى بيانه من نحو عيب واخبار بثمن وغيره ( بورك