إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 357
فهذا القدر من علم الفقه يجب تعلمه على كل مكتسب ، وإلا اقتحم الحرام من حيث لا يدري . وأما معاملة القصّاب والخباز والبقال فلا يستغني عنها المكتسب وغير المكتسب ، والخلل فيها من ثلاثة وجوه : من إهمال شروط البيع ، أو إهمال شروط السلم ، أو الاقتصار على المعاطاة ، إذ العادات جارية بكتبه الخطوط على هؤلاء بحاجات كل يوم ، ثم المحاسبة في كل مدة . ثم التقويم بحسب ما يقع عليه التراضي وذلك مما نرى الروياني في الدراهم المغشوشة ، وحكى فيها خلاف أبي حنيفة ، وذكر أن الفتوى أنه يجوز الشركة فيها إذا استمر في البلد رواجها . فصل [ لا تصح مفاوضة وعنان بغير النقدين والتبر والفلوس النافقة ] وقال أصحابنا : لا تصح مفاوضة وعنان بغير النقدين والتبر والفلوس النافقة أي الرائجة ، فإنها إذا كانت تروج أخذت حكم النقدين ، وقيل : هذا عند محمد لأنها ملحقة بالنقود عنده ، وعند أبي حنيفة ، وأبي يوسف لا تصح الشركة فيها ولا المضاربة لأن رواجها عارض باصطلاح الناس ، فكان على شرف الزوال فيصير عرضا فلا يصلح رأس المال في الشركة والمضاربة لأنه لا يمكن دفع رأس المال بالعدد بعد الكساد ، وبالقيمة لأنه لا يعرف إلا بالحزر فيؤدي إلى النزاع ، وقيل : أبو يوسف مع محمد والأقيس أن يكون مع أبي حنيفة لما عرف من أصلهما أن الفلوس تتعين عندهما وإن كانت تروج بين الناس حتى جاز بيع فلس بفلسين بأعيانهما عندهما خلافا له ، والأصح انها تجوز في الفلوس عندهما خلافا له لأنها أثمان باصطلاح الكل ، فلا تبطل ما لم يصطلح على ضده . وأما التبر فجعله في شركة كتاب الأصل وجامع الصغير بمنزلة العروض ، فلم يصح رأس مال الشركة والمضاربة وجعله في صرف الأصل كالأثمان ، لأن الذهب والفضة ثمن بأصل الخلقة ، والأوّل هو ظاهر المذهب ، ووجهه أن الثمنية تختص بضرب مخصوص لأنه بعد الضرب لا يصرف إلى شيء آخر غالبا والمعتبر هو العرف ، فكل موضع جرى التعامل به فهو ثمن ، وإلّا فحكمه كحكم العروض في حكم التعيين وعدم جواز الشركة والمضاربة به واللّه أعلم . ( فهذا القدر ) الذي ذكرناه هنا ( من علم الفقه يجب تعلمه ) وتحصيله ( على كل مكتسب ) وجوبا شرعيا ( وإلا اقتحم الحرام ) أي ارتكبه ودخل فيه ( من حيث لا يدري ) ولا يشعر ، ( واما معاملة ) نحو ( القصّاب ) أي الجزار ( والبقال ) الذي يبيع البقول الخضرة ( والخبّاز ) الذي يخبز الخبز والذي يبيعه ، وغير هؤلاء من المحترفين ( فلا يستغني عنها ) أي عن معاملتهم ( المكتسب وغير المكتسب ) ، بل الحاجة إليهم عامة ( والخلل فيها من ثلاثة وجوه : من إهمال شروط البيع ) على ما ذكرت ، ( أو اهمال شروط السلم ) على ما ذكرت أيضا . ( أو الاقتصار على المعاطاة ) من غير جريان الصيغة ( إذ العادات الجارية ) بين الناس ( بكتبه الخطوط على حاجات كل يوم ) بأسمائها ، ( ثم المحاسبة ) مع السوقة ( في كل مدة ) كالشهر