تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
شرح
لم يتبايعا العرضين ولكن باعهما بعرض أو نقد ففي صحة البيع قولا تفريق الصفقة ، فإن صححنا كان الثمن مشتركا بينهما إما على التساوي أو التفاوت بحسب قيمة العرضين ، فيأذن كل واحد منهما للآخر في التصرف . قال النووي في الزيادات : وإذا باع كل واحد بعض عرض صاحبه هل يشترط علمهما بقيمة العرضين ؟ وجهان حكاهما في الحاوي الصحيح : لا يشترط ، ومن الحيل في هذا أن يبيع كل واحد بعض عرضه لصاحبه بثمن في ذمته ثم يتقاضى واللّه أعلم . قلت : وقريب من ذلك قول أصحابنا قالوا : لو باع كل منهما نصف ماله من العروض بنصف مال الآخر ، وعقدا عقد الشركة بعد البيع جازت الشركة وصارت شركة عقد ، وهذا لأنه بالبيع صار شركة ملك حتى لا يجوز لكل منهما أن يتصرف في مال الآخر ، ثم بالعقد بعد ذلك صار شركة عقد ، فيجوز لكل واحد منهما أن يتصرف في نصيب صاحبه ، وهذه حيلة لمن أراد الشركة في العروض لأنه بذلك يصير نصف مال كل واحد منهما مضمونا على صاحبه بالثمن ، فيكون الربح الحاصل من المالين ربح ما يضمن فيجوز بخلاف إذا لم يبيعا ، وحمل بعضهم ما ذكر هنا من بيع نصف ما لكل واحد منهما على ما إذا كانت قيمتهما على السواء ، وأما إذا كانت قيمتهما متفاوتة فيبيع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة ، وهذا الحمل غير محتاج إليه لأنه يجوز أن يبيع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ، وإن تفاوتت قيمتهما حتى يصير المال بينهما نصفين ، وكذا العكس جائز وهو ما إذا كانت قيمتهما متساوية فباعاه على التفاوت ، فحينئذ قولهم باع نصف ماله بنصف مال الآخر وقع اتفاقا أو قصدا ليكون شاملا للمفاوضة والعنان ، لأن المفاوضة شرطها التساوي بخلاف العنان ، وكذا قولهم بنصف عرض الآخر وقع اتفاقا لأنه لو باعه بالدراهم ثم عقدا الشركة في العرض الذي باعه جاز أيضا واللّه أعلم . ( ولا يشترط النقد ) اعلم أنه لا خلاف في جواز الشركة في النقدين ، فأما سائر المتقوّمات لا يجوز الشركة عليها ، وفي المثليات قولان . وقيل : وجهان . أحدهما : المنقول عن رواية البويطي ، وأبي حنيفة أنه يجوز كما لا يجوز في المتقومات ، وكما لا يجوز القراض إلا في النقدين ، وأصحهما وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق يجوز لأن المثلى إذا اختلط بجنسه ارتفع معه التمييز فأشبه النقدين ، وليس المثلى كالمتقوّم لأنه لا يمكن الخلط في المتقوّمات ، وربما يتلف مال أحدهما ويبقى مال الآخر ، فلا يمكن الاعتداد بتلفه عنهما ، وفي المثليات يكون التالف بعد الخلط تالفا عنهما جميعا ، ولأن قيمتهما ترتفع وتنخفض ، وربما تنقص فيمة مال أحدهما دون الآخر وتزيد فيؤدي إلى ذهاب الربح في رأس المال أو دخول بعض رأس المال في الربح ( بخلاف القراض ) لأن حق العامل محصور في الربح ، فلا بدّ من تحصيل رأس المال لتوزيع الربح ، وفي الشركة لا حاجة بل كل المال موزع عليهما على قدر ماليهما ، ولفظ النقد عند الإطلاق يعني به الدراهم والدنانير المضروبة ، وأما غير المضروبة من التبر والحلى والسبائك ، فقد أطلقوا منع الشركة فيها ، وبمثله أجاب القاضي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 356 | مرتضى الزبيدي