تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الفرق بين الإقدام على النكاح والاحجام عنه فإن أحدهما مضيع نسلا أدام اللّه وجوده من آدم صلّى اللّه عليه وسلم عقبا بعد عقب إلى أن انتهى إليه ، فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر لا عقب له ، ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون زوّجوني لا ألقى اللّه عزبا . فإن قلت : فما كان معاذ يتوقع ولدا في ذلك الوقت فما وجه رغبته فيه ؟ ( فأقول ) : الولد يحصل بالوقاع ويحصل الوقاع بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار إنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال ، فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه والباقي خارج عن اختياره ، ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى أن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضا في حقه على الوجه الذي يستحب للأصلع إمرار الموسى على
شرح
النكاح والإحجام عنه ، فإن أحدهما ) وهو المحجم عنه ( مضيع نسلا أدام اللّه وجوده من ) عهد ( آدم عليه السلام عقبا بعد عقب ) وطبقة بعد طبقة ( إلى أن انتهى إليه ، فالممتنع عن النكاح قد حسم ) أي قطع ( الوجود المستديم من وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر ) مقطوعا ( لا عقب له . والأبتر من الحيوان من لا ذنب له شبه به الرجل الذي لا عقب له ، وقد كان العاصي بن وائل يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إنك أبتر وذلك لما مات أولاده الأربعة وبقيت بناته فرد اللّه عليه وقال :إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُبمعنى الأبتر الذي قد انقطع ذكره بعد موته وثناؤه فلا يذكر بخير بعد موته . أي : فأما أنت فقد رفعنا لك ذكرك تذكر معي إذا ذكرت ، ( ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ ) بن جبل رضي اللّه عنه ( في الطاعون ) الذي أصابه : ( زوجوني لا ألقى اللّه عزبا ) بلا زوجة كما تقدم . ( فإن قلت : فما كان معاذ ) رضي اللّه عنه ( يتوقع ولدا في ذلك الوقت ) لاشتغاله بنفسه ( فما وجه رغبته فيه ؟ فأقول ) في الجواب : ( الولد يحصل بالوقاع ) كما جرت به سنة اللّه تعالى ، ( ويحصل الوقاع بباعث الشهوة ) الغريزية ( وذلك أمر لا يدخل في الاختيار ) البشري ( إنما التعلق باختيار العبد احضار ) السبب ( المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال فمن عقد ) عقدا ( فقد أدى ما عليه ) بالوجوب أو السنية والاستحباب ( وفعل ما إليه ) وجه ( والباقي خارج ، ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا ) وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء أو لا يشتهي النساء ، ( فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها ) لأنها تختلف باختلاف الأشخاص ( حتى أن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد ) وهو الذي مسحت مذاكيره أي قطعت ( لا ينقطع الاستحباب ) في التزويج ( أيضا في حقه وفي حكمه الخصي والمجبوب ( على الوجه الذي يستحب للأصلع ) الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه ( إمرار الموسى ) أي موسى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 33 | مرتضى الزبيدي