تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
فالناكح ساع في إتمام ما أحب اللّه تعالى تمامه ، والمعرض معطل ومضيع لما كره اللّه ضياعه ، ولأجل محبة اللّه تعالى لبقاء النفوس أمر بالاطعام وحث عليه وعبّر عنه بعبارة القرض فقال :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ البقرة : 245 ] فإن قلت : قولك إن بقاء النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند اللّه وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة اللّه تعالى ، ومعلوم أن الكل بمشيئة اللّه وأن اللّه غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم ؟ فاعلم أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل فإن ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة اللّه خيرها وشرها ونفعها وضرها ، ولكن المحبة والكراهة يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة ، فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب ، فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة
شرح
معاني . أحدها : خشية العار بهن ، ومنها كراهة الإنفاق عليهن ، ومنها الشح وخوف الفقر والإملاق وكانوا من مات له البنون وعاش له البنات سموه أبتر وذموه بذلك ، وكانوا يقولون : من كن له إحدى الحربات الثلاث لم يسد قومه يعنون بهن الأم والأخت والبنت فقد توجد هذه المعاني كلها أو بعضها . ( فالناكح ) في الحقيقة ( ساع في إتمام ما أحب اللّه تعالى تمامه وربط عليه نظام عالمه ، ( والمعرض عن النكاح معطل ومضيع لما كره اللّه ضياعه ) وفرق بين ساع في إتمام وبين متسبب لتخريب النظام ، ( ولأجل محبة اللّه ) عز وجل ( لبقاء النفوس ) وحفظ ناموسها ( أمر بالإطعام وحث عليه ) فمنه ما هو في كتابه ومنه ما هو على لسان رسوله ، ( وعبر عنه بعبارة القرض فقالمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً *. فإن قلت : قولك إن بقاء النسل ) الإنساني ( والنفس ) الحيواني ( محبوب يوهم أن فناءها ) أي النفس ( مكروه عند اللّه تعالى ) من ضرورة التضاد بين المحبة والكراهة ، ( وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة اللّه عز وجل ، ومعلوم أن الكل ) منهما ( بمشيئة اللّه ) عز وجل ، ( و ) معلوم( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ )ومقتضى وصف الغنى تساويهما عنده على حد سواء ، ( فمن أين يتميز عنده ) تعالى ( موتهم على حياتهم وبقاؤهم عن فنائهم ؟ ) وهو إشكال قوي وقد أجاب عنه بقوله : ( فاعلم أن هذه كلمة حق أريد بها باطل ) وأول من تكلم بها علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في مخاطبته لبعض الخوارج كما تقدم في كتاب العلم ، ( فإن ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات ) أي المخلوقات ( كلها إلى إرادة اللّه تعالى خيرها وشرها ونفعها وضرها ) يسرها وعسرها ، ( ولكن المحبة والكراهة يتضادان ) يستحيل اجتماعهما في موضع واحد لأن كلا منهما ينافي الآخر في أوصافه الخاصة ، ( وكلاهما لا يضادان الإرادة لأن كل واحد منهما معها ليس تحت جنس واحد ، ( فربّ مراد مكروه ورب مراد محبوب ، فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة ) إذ الكراهة هي الحكم في الشيء بأنه ينبغي فعله أولا ( والطاعات مرادة وهي مع كونها مرادة محبوبة ومرضية ) عند
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30 | مرتضى الزبيدي