تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
قوله تعالى :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
وبين قوله : وأنا أكره مساءته » . ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها ، فإن السابق إلى الأفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهتهم . وهيهات فبين صفات اللّه تعالى وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته العزيز وذاتهم ، وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات اللّه مقدس عنه ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض ، فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق . وهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراءه سر القدر الذي منع من إفشائه فلنقبض عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من
شرح
بكراهته للموت ما يناله منه من الصعوبة والشدة والمرارة لشدة ائتلاف روحه بجسده وتعلقها به ولعدم معرفته بما هو صائر إليه بعده ، ومعنى قوله « وأنا أكره مساءته » أي أريده له لأنه يورده موارد الرحمة والغفران والتلذذ بنعيم الجنان ، وقد يحدث اللّه بقلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه ما يشتاق به إلى الموت فضلا عن كراهته فيأتيه وهو إليه مشتاق ، وذلك من مكنون ألطافه فلا تناقض بينه وبين قولهنَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَفتأمل . ( ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها فإن السابق إلى الأفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهتهم . وهيهات فبين صفات اللّه وصفات الخلق من البعد ) مثل ( ما بين ذاته وذواتهم ، وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات اللّه مقدسة عنه ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض ، فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق . وقد ذكر المصنف في المقصد الأسنى في الفصل الرابع منه ما نصه : ومهما عرف معنى المماثلة المنفية عن اللّه تعالى عرفت أنه لا مثل له ، ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة . أترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه ، وهما متشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا مدركا بالبصر وأمورا أخر سواه ، أفترى من قال : إن اللّه تعالى موجود لا في محل وأنه سميع بصير عالم مريد متكلم حي قادر فاعل ، وللإنسان أيضا كذلك فقد شبه قائل هذا إذا وأثبت المثل . هيهات ليس الأمر كذلك ، ولو كان الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو موهم للمشابهة بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والخاصة الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته التي يوجد عنها كل ما في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال ، وهذه الخاصية لا تتصور فيها مشاركة البتة والمماثلة بها تحصل بل الخاصية الإلهية ليست إلا للّه تعالى ولا يعرفها إلا اللّه ولا يتصور أن يعرفها إلا هو ومن هو مثله . وإذ لم يكن له مثل لا يعرفها غيره اه . ( فهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراءه سر القدر الذي يمنع إفشاؤه ) إلا للخاصة ، ( فلنقبض عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 32 | مرتضى الزبيدي