تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
الخامس : أن يجعل الأجل معلوما إن كان مؤجلا فلا يؤجل إلى الحصاد ولا إلى ادراك الثمار ، بل إلى الأشهر والأيام ، فإن الادراك قد يتقدم وقد يتأخر .
شرح
( الخامس : أن يجعل ) المسلم ( الأجل معلوما إن كان مؤجلا ) أي إذا ذكرا أجلا في السلم وجب أن يكون معلوما . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إلى أجل معلوم » لأنه إذا لم يكن معلوما يفضي إلى المنازعة ، وهل السلم الحال صحيح أو لا ؟ قال الشافعي : صحيح . وقال الأئمة الثلاثة : لا يصح ، واحتجوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « إلى أجل معلوم » ودلائل الطرفين مذكورة في الفروع ، فلو صرح بالحلول أو التأجيل فذاك ، وإن أطلق فوجهان . وقيل قولان : أحدهما : ان العقد يبطل لأن مطلق العقد يحمل على المعتاد والمعتاد في السلم التأجيل ، فإذا كان كذلك فيفسد فيكون كما لو ذكر أجلا مجهولا ، والثاني : يصح ويكون حالا كالثمن في البيع المطلق ، وبالوجه الأوّل أجاب المصنف في الوجيز ، ولكن الأصح عند الجمهور هو الثاني ، وبه قال في الوسيط : ( فلا يؤجل إلى الحصاد وإلى ادراك الثمار بل إلى الأشهر والأيام ، فإن ذلك الإدراك قد يتقدم وقد يتأخر ) فيه صور . إحداها : لا يجوز تأقيته بما يختلف وقته كالحصاد والدراس وقدوم الحاج خلافا لمالك لنا أن ذلك يتقدم تارة ويتأخر أخرى ، فأشبه مجيء المطر ، ولو قال إلى العطاء لم يجز إن أراد وصوله ، فإن أراد وقت خروجه وقد عين السلطان له وقتا جاز بخلاف ما إذا قال إلى وقت الحصاد إذ ليس له وقت معين ، ولو قال إلى الصيف أو الشتاء لم يجز إلا أن يريد الوقت ، وذكر ابن كج أن ابن خزيمة جوّز التأقيت بالميسرة . الثانية : التأقيت بشهور الفرس والروم جائز كالتأقيت بشهور العرب ، لأنها معلومة مضبوطة ، وكذا التأقيت بالنيروز والمهرجان لأنهما يومان معلومان كالعيد وعرفة وعاشوراء ، وفي النهاية نقل وجه لا يجوز التأقيت بهما ، ونص الشافعي على أنه لا يجوز التأقيت بفصح النصارى ، وفي معنى الفصح سائر أعياد الملل كفطير اليهود ونحوه . الثالثة : لو أقتا بنفر الحجيج وقيدا بالأوّل أو الثاني جاز ، وإن أطلقا فوجهان . أصحهما : ويحكى عن نصه أنه صحيح ويحمل على النفر الأوّل لتحقق الاسم به ، وعلى هذا الخلاف التوقيت بشهور ربيع وجمادى أو بالعيد ، ولا يحتاج إلى تعيين السنة إذا حملنا المذكور على الأوّل . الرابعة : لو أجّلا إلى سنة أو سنتين فمطلقه محمول على السنين الهلالية ، ولو قال بالعدد فهو ثلاثمائة وستون يوما ، وكذا مطلق الأشهر محمول على الشهور الهلالية ، ثم ينظر إن جرى العقد في أول الشهر اعتبر الجميع بالاهلّة تامة كانت أو ناقصة ، وإن جرى بعد مضي بعض الشهر عد الباقي منه بالأيام ، واعتبرت الشهور بعد بالاهلّة ثم يتم المنكسر بالعد ثلاثين ، وإنما كان كذلك لأن الشهر الشرعي هو ما بين الهلالين إلا أن في الشهر المنكسر لا بدّ من الرجوع إلى العدد كيلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد ، وفيه وجه أنه إذا انكسر الشهر انكسر الجميع ، فيعتبر الكل عددا ويحكى هذا عن أبي حنيفة رحمه اللّه والمذهب الأوّل .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 323 | مرتضى الزبيدي