أما الوجه الأوّل : فهو أدق الوجوه وأبعدها عن إفهام الجماهير وهو أحقها وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع اللّه تعالى ومجاري حكمه ، وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البذر وآلات الحرث وهيأ له أرضا مهيأة للحراثة وكان العبد قادرا على الحراثة ووكل به من يتقاضاه عليها ، فإن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البذر ضائعا حتى فسد ودفع الموكل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقا للمقت والعتاب من سيده ، واللّه تعالى خلق الزوجين وخلق الذكر والأنثيين وخلق النطفة في الفقار وهيأ لها في الأنثيين عروقا ومجاري ، وخلق الرحم قرارا ومستودعا للنطفة ، وسلط متقاضي الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى فهذه الأفعال والآلات تشهد بلسان ذلق في
شرح
( أما الوجه الأول : فهو أدق الوجوه وأبعدها ) غورا ( عن إفهام الجماهير جمع جمهور وهم الأكثرون من أهل العلم والمعرفة ( وهو أحقها وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع اللّه تعالى ومجاري حكمه ) الخفية ويستدعي ذلك إلى إيضاح وكشف ، ( وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده ) تحت رقه وطاعته ( البذر وآلات الحرث ) مما يحتاج الحرث إليه من حديد وخشب وحبال وبهائم ( وهيأ له أرضا مهيأة للحراثة ) بأن كانت مسقية ( وكان العبد ) المذكور ( قادرا على الحراثة ) والبذر ( ووكل به من يتقاضاه ) ويطالبه ( عليها ) كالمعين عليه ، ( فإن تكاسل ) هذا العبد عن الخدمة ( وعطل آلة الحرث ) عن استعمالها ( وترك البذر ضائعا حتى فسد ) وتلف ( ودفع الموكل ) الذي هو عين عليه يتقاضاه ( عن نفسه بنوع من الحيلة كان ) ذلك العبد لا محالة ( مستحقا للمقت ) والتأديب ( والعتاب من سيده ) حسبما يليق بحاله ، ( واللّه تعالى خلق الزوجين ) أي الصنفين من كل جنس ( وخلق الذكر والأنثى ) من كل نوع هكذا في النسخ ، وفي بعضها : خلق الزوجين الذكر والأنثى ، وهذا موافق لما في القرآن ، وفي أخرى : خلق الزوجين وخلق الذكر والأنثيين وهذا أشبه بالصواب ، ( وخلق النطفة في الفقار ) أي فقرات ظهر الذكر ( وهيأ لها في الأنثيين ) مثنى الأنثى أي الخصيتين ( عروقا ) تتحلب فيها ( ومجاري ) تسيل منها ، ( وخلق الرحم قرارا ومستودعا للنطفة وسلط متقاضي الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى . وتحقيق هذا المقام يستدعي معرفة تشريح فقرات الظهر والعضلات والعروق التي هي مجاري النطفة وتشريح الرحم ليتضح ما أشار إليه المصنف على طريق الإجمال .
فاعلم أن فقرات الظهر اثنتا عشرة فقرة والفقرة عظم في وسطه ثقب ينفذ فيه النخاع فيتصل كل واحدة بصاحبتها من قدّام برباطات ، ومن خلف بزوائد تدخل من كل في الأخرى ، وعظم الفخذ له زوائد شوكية وشاخصة إلى الفوق ، وأسفل يتصل به عظما الوركين من جانبيه عن يمينه وعن شماله ، ولكل أربعة أجزاء يقال للذي في جنبه منها عظم الخاصرة ، وللذي من قدامه عظم العانة ، وللذي من خلفه عظم الورك ، وللجزء الباطن المجوّف حق الفخذ ، ومنفعتها حفظ ما وضع