وقيل لسلمان الفارسي : أوصنا ، فقال : من استطاع منكم أن يموت حاجا أو غازيا أو عامرا لمسجد ربه فليفعل ، ولا يموتن تاجرا ولا خائنا .
فالجواب : أن وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال ؛ فنقول : لسنا نقول التجارة أفضل مطلقا من كل شيء ، ولكن التجارة إما أن تطلب بها الكفاية أو الثروة أو الزيادة على الكفاية ؛ فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره لا ليصرف إلى الخيرات والصدقات فهي مذمومة ، لأنه اقبال على الدنيا التي حبها رأس كل
شرح
أي من المديمين على السجود ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين » ) أي الموت . قال العراقي : رواه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند فيه لين اه .
قلت : ورواه الحاكم في تاريخه عن أبي ذر مرفوعا بلفظ : « ما أوحي إلي أن أكون تاجرا ولا أن أجمع المال مكاثرا ، ولكن أوحي إلي أن سبح » إلخ . وهو في الحلية لأبي نعيم عن أبي مسلم الخولاني مرسلا بلفظ « ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين » والباقي سواء .
( وقيل لسلمان الفارسي ) رضي اللّه عنه : ( أوصنا . فقال : من استطاع منكم أن يموت حاجا ) أي وهو متوجه إلى بيت ربه أو في نيته ذلك ( أو غازيا ) أي مجاهدا في سبيل اللّه أو في نيته ذلك ( أو عامرا لمسجد ربه بأن يختلف إليه في الأوقات الخمسة ، وعمارته بالصلاة فيه والذكر والمراقبة والعكوف ، ( فليفعل ولا يموتن تاجرا ) أي مشتغلا بالتجارة ( ولا جابيا ) أي مشتغلا بالجباية ، وقد كان مقام سلمان يستدعي ذلك فإنه كان مثبتا على الشدائد مطرحا للزوائد .
( فالجواب : إن وجه الجمع بين هذه الأخبار ) والآثار التي تليت وكذا غيرها مما يشاكلها ( تفصيل الأحوال فنقول : لسنا نقول ) أن ( التجارة أفضل مطلقا من كل وجه ، ولكن ) نفصل ونقول : إن ( التاجر ) لا يخلو ( إما أن يطلب بها ) أي بتلك التجارة ( الكفاية ) لمؤنة نفسه وعياله ( أو الثروة ) أي استكثار المال ( والزيادة على الكفاية ) والحاجة الضرورية ، ( فإن طلب منها الزيادة على الكفاية باستكثار المال ) وتنميته ( وادخاره لا ليصرف إلى الخيرات ) المطلوبة ( والصدقات المرغوبة والمبرات الشرعية التي ندب إليها الشارع وأكد عليها ( فهي مذمومة ) شرعا ، ( لأنه اقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة ) يشير بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب باسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا « حب الدنيا رأس كل خطيئة » .
ورواه الديلمي في الفردوس عن علي مرفوعا ، وهو أيضا عند البيهقي في الزهد ، وأبي نعيم في ترجمة الثوري من الحلية من قول عيسى ابن مريم عليهما السلام ، وعند ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان له من قول مالك بن دينار ، وعند ابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التحبيبي من تاريخ مصر له من قول سعد ، وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي رضي اللّه عنه . وفي معنى هذه الجملة ما رواه الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعا « أعظم الآفات لشيب أمتي حبّهم الدنيا وجمعهم